اردوغان واتاتورك وجهاً لوجه

سميح صعب Annahar

16 تموز 2016 | 18:37

المصدر: "النهار"

نجا اردوغان من المحاولة الانقلابية الاكثر جدية التي يتعرض منذ بداية حكمه عام 2002. فهو تعود ان يعمد هو الى الانقلاب على الجيش عبر عمليات تطهير دورية يجريها المجلس العسكري برئاسته. وكان السلطان مسكونا بهاجس الانقلاب العسكري منذ اليوم الاول لوصوله الى السلطة وكان يتخيل دوما انه سليقى مصير عدنان مندريس يوما ما، إذ لم يكن يثق بالمؤسسة العسكرية التي جعل منها خصمه الداخلي الاول. أدخل مئات الضباط الكبار حتى المتقاعدين منهم الى السجون بعد محاكمات مذلة بتهمة التخطيط لانقلابات عسكرية ضده. كان يشعر وهو الاسلامي من جذور اخوانية انه ضيف على جمهورية اتاتورك.

لم يكن اردوغان يشعر بأنه الابن الطبيعي للجمهورية العلمانية. لذلك أمعن فيها تغييرا وتعديلا حتى تغدو شبيهة به. أمس فقط اكتشف انه كان على خطأ إذ ان ثمة أرومة من جمهورية اتاتورك لا تزال قادرة على إخافة السلطان على رغم كل الاحتياطات التي اتخذها على مدى 14 عاما. امس اكتشف اردوغان انه كاد يقترب من مندريس وان كل الكوابيس التي كانت تراوده كانت على وشك التحقق.
امس اكتشف اردوغان ان اتاتورك لا يزال حيا على رغم انه كان يدفنه كل يوم منذ 14 عاما.
امس كاد اردوغان يصحو في جمهورية غريبة غير التي صنعها. جمهوريته لا مكان فيها لدبابات الجيش ومروحياته. بل فيها جهاز استخبارات على قياسه ورجال شرطة هم من يركن اليهم بحمايته وحماية مؤسساته. الجيش التركي هو عمليا منذ الحكم الاسلامي في تركيا هو خارج الخدمة. امس فقط شهر اردوغان ان جمهوريته تكاد تتهاوى في لحظات مع اول حاجز يقيمه الجيش على جسر البوسفور.
لا يسأل اردوغان هل لديه اعداء في الداخل. فهو تخلص منهم واحدا تلو الاخر واقام معارضة مشلولة ركيكة منقسمة الى حد انعدام تأثيرها بالكامل على مجرى الحياة السياسية. وحتى داخل حزب العدالة والتنمية يحكم اردوغان وحيدا بعدا انفض من حوله رفاق الدرب الذين صنع واياهم الحزب، من عبدالله غول الى احمد داود اوغلو. فأردوغان يريد جمهورية على مقاسه هو السلطان فيها لا ينازعه ملكه أحد.
ولم يكن من المعروف ان جمهورية اردوغان فيها حرية رأي او صحافة. تركيا الدولة الاولى في اعداد الصحافيين المسجونين او الذين يخصعون لمحاكمات وجلهم بتهمة اهانة السلطان.
وفي الخارج صنع اردوغان من الاعداء ما يكفي. حتى حلفائه لا يخفون انزعاجهم من دعمه للجهاديين وبينهم "داعش" و"جبهة النصرة" في سوريا. وعلى رغم كل الضغوط الاميركية، لم يقفل اردوغان خط الامداد امام "داعش". فهو يريد النظيم المتشدد رأس حربة ضد الرئيس السوري بشار الاسد وضد الاكراد.
وعادى روسيا لأن روسيا تساعد دمشق. وتوترت علاقته بطهران بسبب سوريا. وقاطع مصر بعد سقوط "الاخوان المسلمين" وابتز اوروبا في قضية اللاجئين الذين يتدفقون من تركيا الى اوروبا عبر اليونان. ولم تكن علاقته ببغداد على ما يرام بسبب دعمه مسعود البارزاني على حساب الحكومة العراقية المركزية.
على الاكثار من الاعداء في الداخل والخارج كان اردوغان يعتقد ان هذا ما يصنع له عصبية الحكم. لكن أمس وأمس استفاق الرئيس التركي على حقيقة ان كل الاوهام التي راكمها على مدى سنوات يمكن ان تهوي في لحظات.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard