لماذا فرنسا خاصرة رخوة للإرهاب؟

15 تموز 2016 | 20:31

المصدر: "النهار"

لا الغارات الجوية ولا قصف المقرات والقواعد ولا نشر القوات والجيوش ولا غزو بعض البلدان ولا مراقبة الاقمار الاصطناعية، ولا اعتراض المكالمات الهاتفية ولا كل انواع التنصّت ولا وقف التحويلات المالية، ولا الاعتقالات الفردية والجماعية ولا عمليات الدهم المستمرة، نجحت في لجم الإرهاب وكبح عمليات القتل الجماعي، اذ يجد الإرهابيون مرة تلو الأخرى طريقة لاختراق الحلقة الدولية وشنّ هجمات كبيرة توقع عشرات القتلى في ارجاء العالم، عدا الهجمات المتواصلة في العراق وسوريا وليبيا واليمن وافغانستان التي تتخذها الجماعات الاسلامية مرتعًا لها، وخصوصا تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش) وتنظيم "القاعدة" وفروعه المحلية.
مقتلة نيس البشعة أظهرت محدودية الحملة العالمية لتعقب الإرهاب، وأثبتت عدم فعالية القواعد التي وضعت لمكافحته خلال السنين العشر الماضية وفشل الإجراءات الواسعة التي نفّذتها باريس منذ هجمات تشرين الثاني الماضي، كما أنه يختبر من جديد قدرة فرنسا على مواجهة هذا التحدّي الاستثنائي الذي لم تواجه مثيلا له منذ معركة استقلال الجزائر.
اعتقلت سلطات الامن الفرنسي 550 مشتبها فيهم وفتشت 3600 منزل وفتحت عشرات آلاف السجلات الشخصية وراقبت مئات الالوف من المواطنين والمقيمين على اراضيها منذ هجمات تشرين الثاني الماضي، وحدّدت اماكن اكثر من ثلاثة آلاف من المتطرفين، بينهم 1300 لديهم اتصالات مع تنظيمات إرهابية في سوريا والعراق، وادرجت أكثر من عشرة آلاف شخص، وتراجع يوميا سجل "امن الدولة" المعروف بالسجل "إس" الذي يشمل ما يسمّى بالمشاغبين إضافة إلى أعضاء مجموعات من اليسار المتطرف أو اليمين المتطرف وغيرها من الحركات.لا بل اكثر ذلك فان طائراتها الحربية قصفت مقرّات ومواقع للإرهابيين، وانزلت قواتها الخاصة في شمال سوريا ولا سيما في منبج، في محاولة لالتقاط أي معلومة مباشرة عن الفرنسيين المنضمّين إلى تنظيم "داعش"، والافادة منها أمنيا في فرنسا نفسها أكثر من أي مكان آخر. ورغم ذلك تمّ تنفيذ هذا الهجوم الذي لم تتوقعه السلطات الأمنية لبساطة متطلبات تنفيذه "شاحنة وسائقها ورخصة قيادة فقط". وهكذا يتضاعف الخطر وتصير اعداد الذين تحوّلوا الى التطرف عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي أكبر من أي عدد في السابق، ما يمثل مشكلة مرعبة للغرب الذي يواجه تحديًا لم يواجهه في تاريخه.
لكن لماذا فرنسا تحتل المرتبة الاولى في عمليات الاستهداف، لا سيما منذ 2014 عندما دعا الناطق الرسمي باسم "داعش" ابو محمد العدناني أتباع التنظيم ومناصريه الى قتل الغربيين "خصوصا الفرنسيين الحاقدين؟"
يعزو أستاذ علم الاجتماع والمراقب الدولي في الأمم المتحدة صلاح هاشم استهداف فرنسا الى انها تضم جالية إسلامية كبيرة، وان بعض الدراسات تفيد إن هذه الجالية تشعر بنوع من الاضطهاد ما يحفز "المضطهدين" على مبادرات سيكولوجية وسياسية واجتماعية لارتكاب مثل هذه الأعمال الإرهابية. واضاف أن العامل الثاني يكمن في الدور الدولي الكبير الذي تقوم به فرنسا في محاربة الإرهاب و"داعش" في منطقة الشرق الأوسط بكل الدعم المادي والعسكري.
ويضاف الى ذلك انضمام عدد كبير من حمَلَة الجنسية الفرنسية ومن اصول اسلامية الى صفوف المقاتلين في صفوف التنظيمات الإرهابية او انهم تأثّروا بأفكار هذه التنظيمات. وتفيد التقارير عن وجود أكثر من 1800 شخص غادروا فرنسا إلى سوريا والعراق، وأن هناك 800 آخرين يريدون المغادرة للانضمام إلى تنظيم "داعش"، وأن 2029 مواطناً فرنسياً مرتبطون بشبكات متطرّفة بينهم 283 امرأة و18 قاصرًا. وقتل نحو 170 شخصاً في أثناء وجودهم في سوريا أو العراق وعاد 300 إلى فرنسا.
فمنذ إعلان "الخلافة" تزايد ظهور المقاتلين الفرنسيين في التسجيلات التي يصدرها التنظيم، وقال المقاتل الفرنسي إبرهيم الخياري، في تسجيل فيديو ظهر في 14 تشرين الاول 2014، أن فرنسا في حالة حرب مع تنظيم الدولة. وظهر للمرة الاولى فرنسي مكشوف الوجه، يدعى مكسيم أوشارد وهو يذبح احد الرهائن، وهي رسالة اراد ان يرسلها التنظيم بأن التهديد الى فرنسا يأتي من الداخل.
ويضيف الباحث في قضايا الإرهاب والاستخبارات جاسم محمد اسبابًا اخرى منها:
- دور فرنسا في محاربة الإرهاب من الائتلاف الدولي، بعد ارسالها حاملة الطائرات شارل ديغول الى الخليج في اعقاب تفجيرات باريس.
- الوجود العسكري الفرنسي في مالي وغرب افريقيا ووسطها ودول الساحل.
- الاجراءات الفرنسية المتمثلة في فرض غرامات على ارتداء النقاب واتخاذ قرارات يصفها بعض المسلمين بأنها تستهدفهم، ما حوّل اعدادًا من الشباب الى التطرف واعتبار التنظيمات المتطرفة وسيلة ثأر ضد الحكومات الغربية.
- مصادقة البرلمانِ الفرنسيِّ، منتصف شهر يونيو 2015، على بروتوكول التعاون القضائي الجديد بين المغرب وفرنسا. وتفعيل فرنسا والتعاون القضائي لمكافحة الإرهاب مع تونس، ما عزّز مخاوف بعض الاسلاميين المغاربة والتونسيين من تسليمهم الى بلدانهم.

لكن الكاتب الألماني شتيفان بوخن يرى ان ما يجري في فرنسا ولا سيما في نيس غير كافٍ لحصر المسالة بـ"الإرهاب الدولي" وتأثيره الأيديولوجي فقط. اذ يركز على فشل دمج المواطنين الفرنسيين ذوي الأصول الافريقية الشمالية خصوصا، وعدم معالجة إرث فرنسا الاستعماري ليلقي الضوء على تنامي التطرف الإسلاموي في البلاد. ويضيف انه بالمقارنة مع "العمَّال الوافدين" الأتراك في ألمانيا فقد كان انخراط المهاجرين في المجتمع أمرًا أصعب بكثير بالنسبة إلى المهاجرين الجزائريين والمغاربة والتونسيين في فرنسا. فعملية "دمج" المهاجرين من شمال أفريقيا - أي معالجة الإرث الاستعماري - سارت في فرنسا على نحو سيئ للغاية.
حتما هذه الاسباب مجتمعة لا تبرر بأيّ شكل من الاشكال سفك دماء البشر بهذه الطريقة البشعة، ولا تنفي ان للإرهاب جذورًا اخرى اكثر عمقًا، وتطالُ جوانب كثيرة من الحياة منها العقائدي والتاريخي والثقافي، ومنها السياسي والاقتصادي والتنموي، ومنها السيكولوجي والتربوي والاجتماعي. ولعلّ الأساس في ذلك كله المشكلة العقائديّة التي يظهر معها أن كل أساليب المعالجة لا تجدي إذا لم تعالج جذورها. إضافة إلى ان للإرهاب قوًى ودولًا تحميه وتوظّفه لغايات شتى هنا وهناك. ولربما كان للاستهداف المتمادي لفرنسا غايات سياسية اكبر بكثير من مجرد ترويع الناس وترهيبهم بهدف جرّ هذا البلد ومعه اوروبا الغارقة في همومها والمشكلات الى مواقع ومواقف تتعارض مع قيمها ومبادئها المعلنة ليتغيرا هما ايضا في عالم يتغير بسرعة. فهل المطلوب استدراج اوروبا الى ردّ فعل قاسٍ يفقدها "ديموقراطيتها" و"انسانيتها" و"انفتاحها" لتسقط اكثر في فخ التقوقع والانعزال؟
amine.kamourieh@annahar.com.lb
Twiter: @amine_kam

اليسا في "النهار": تكشف اسراراً وتبوح



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard