من رأس بيروت إلى الأشرفيّة: الجامعة - المدينة

11 تموز 2016 | 19:17

المصدر: "النهار"

بالرغم من كل شيء، الانتخابات البلدية لمدينة بيروت كانت رعداً مدوياً في سماء صافية. جاءت هذه بعد أسابيع من بروق لامعة أحدثها إعلان لائحة "بيروت مدينتي". وتمحور نقاش المتابعين حول عنوانين كبيرين: طاقة المدينة/العاصمة على توليد ظاهرة مدَنيّة ذات مغزى، ومقدرة الفاعلين الجدد على تسلم وإدارة شؤون مدينة تتأرجح بين الكوزموبوليتيّة والهويّة الأهليّة التي تطبع مدن المشرق العربيّ عامة.

انطلق النقاش حول طاقة المدينة على توليد المدنيّ من مفهوم الاندماج الاجتماعيّ الذي يشكّل مقياس استيعاب الوافدين في نسيج اجتماعيّ تُعيد صنعه المدينة خارج العلاقات الأهليّة الموروثة.

مسألة الاندماج الاجتماعي في المدن
شكل انتخاب لندن مسلماً باكستاني الأصل عمدة لها ظاهرةَ نموذجاً لطاقة الغرب على الانخراط في استراتيجية دمج تدريجيّ للنخب "المسلمة" في أعلى السلَّم السياسيّ في بلدانه، وأضحى حجّة دامغة لوجهة النظر التي تربط بشكل كامل احتمال ظهور وترسخ توجّه مدَني في المدن بقدرة تلك على الاستيعاب، أي على دمج الوافدين في نسيجها. وهذه الطاقة، غير الموجودة في مدن الشرق والمدن العربيّة عامة، هي التي تدفع الحالة المَدَنيّة إلى التبلور والتمدّد في كبريات مدن العالم الأكثر تطوراً اقتصادياً. بالمقابل، وهذا شأن بيروت، حيث لا وجود لطاقة أو لاستراتيجية اندماجيّة فعليّة، ولا يوجد تالياً تَوَجه دالّ للخروج من الأهل، فيغدو المشروع المَدَنيّ ضعيفاً هزيلاً.
نقدّم ثلاث أفكار لمقاربة هذا الموضوع سوسيولوجياً: أولًا، المدينة الكوزموبوليتيّة الغربية ليست الصيغة الوحيدة لمفهوم المدينة. إنها نوع من الفضاء المدينيّ المرتبط بالرأسماليّة الأكثر تقدماً، وبآلة إنتاجيّة اقتصاديّة بحاجة إلى كمّ من الموارد البشرية تمَّ ابتداع مبدأ المساواة خصيصاً لتأمينها من كلّ حدب وصوب. لا تستسيغ الآلة الماليّة الانتاجيّة الهائلة عوائق ثقافيّة أو لغويّة أو دينيّة أو عرقيّة تكبح فعلها. لا بدّ لها تكوينيًا من دمج كلّ الخصوصيات لصناعة الكائن الوحيد التي هي بحاجة اليه وهو "الكائن الاقتصاديّ" homo economicus. إذاً "الاندماج الاجتماعيّ" صيرورة تكوينيّة في صلب النظام الرأسماليّ الخالص. لهذا العالم مدينته الميغابول الضخمة حيث يتألق الفرد العامل والمنتج والمبدع، سيّدًا على نفسه وعلى حيّزه الجغرافيّ.
ثانياً، ليست المدينة الميغابول النوع المدينيّ الوحيد ولا تحتكر وحدها صفة "المدينة". هناك مدن تملك طرقها الخاصة لتمارس انفتاحها الكوزموبوليتيّ من جهة ولا تتخلى أو لا تنزع خصائصها التي تصنع هوّيتها من جهة ثانية. حول البحر الأبيض المتوسط، وفي المشرق العربي وفي القارّات المستعمَرة سابقاً، مدن تحمل كامل صفات المدينة، وفي الوقت نفسه لها هوية مميّزة وظاهرة وملموسة. ثالثا، لا يمكن أن نقارب بالأدوات التحليليّة نفسها المدينة التي تتمركز فيها السلطة السياسيّة من خلال جعلها عاصمة بلد، أي مركز الحكم الوطنيّ، لها أبعادها السياسيّة بامتياز، وأيّ مدينة أخرى يرتأي أهلها سبغها بوظيفة اقتصاديّة - ثقافيّة - معينة، وهي وليدة تراكمات تجارب سكّانها أولاً وأخيراً.

فسحة رأس بيروت
تملي بيروت، كالعديد من مدن المتوسّط والمشرق العربيّ، وظيفتين قاعدتين: فهي مكان احتضان مكوّناتها الأهليّة وتوزّعهم في أحيائها، وهي أيضاً بفعل تطّورها الاقتصاديّ العالي الوتيرة منذ القرن التاسع عشر وحتى منتصف سبعينات القرن العشرين، مركز تبادل تجاريّ وتخالط ثقافيّ وتكوين تربويّ، أنتج فسحة على الطرف البحري من المدينة هي رأس بيروت، تمركز فيها نسيج اجتماعيّ وثقافيّ خارج البنى الأهلية المحليّة. بات الاندماج الاجتماعيّ في مدينة بيروت يجري عبر "سكّتين": سكّة تقليدية تدمج الوافد في الأحياء من خلال القرابة والزواج والتآلف المذهبيّ الطائفيّ. وسكّة مَدَنية تتمحور أساساً حول الجامعة الأميركيّة وشبكة الشوارع المحيطة بها.
يقول السفير نواف سلام لدى الأمم المتحدة في نيويورك، في ذكرى الخامسة والخمسين بعد المئة لتأسيس الجامعة الأميركية في بيروت: "بسبب وجود الجامعة الأميركيّة في رأس بيروت تمكّنت الجامعة من تحويل مجتمع هذا الفضاء إلى بيئة منفتحة، متنوعة، كوزموبوليتيّة. ويعود للجامعة أيضاً انبعاث ما يحلو لي أن أسميه "روح رأس بيروت" القائمة على قيم الثقة، الاحترام، الحرية والتسامح". كذلك لم تقم الجامعة بتزويد طلابها بالمعارف المحددة، الموجودة بالنهاية في الكتب، فحسب، بل (...) سلّحتهم أيضاً بروح التنوير وبأدوات الفكر النقديّ". هذه هي بيئة انتاج المجتمع المدني.

الأشرفية الفسحة المستجدّة
زعزعت الحروب الملبننة هذه الفسحة وأطاحت إلى حدّ كبير بمدنيّتها. لكن تشكُل لائحة "بيروت مدينتي" أعاد الأمل بأيقونة قديمة - جديدة هي رأس بيروت ومحورها الجامعة الأميركيّة وكشف بقوة عن احتمال تبلور ونموّ فسحة أخرى مكمّلة وموازية لها هي الأشرفية، ومحورها جامعة القديس يوسف. ولئن كانت مبادرة تشكيل اللائحة وإعلانها من وحي ما أسماه السفير سلام "روح رأس بيروت"، فإن نتائج الاقتراع وتعابير الصناديق تُحيلنا إلى فسحة جديدة في طور التشكّل لتكون حاضناً إضافياً للتوجّه المدنيّ، ألا وهي الأشرفيّة والأحياء المتاخمة لها وتمحورها حول جامعة القديس يوسف.
هنا أيضاً، تحديد دور الجامعة في الشأن العام واحتضان المشروع المدنيّ حدّده الأب بيتر- هانس كولفنباخ، الرئيس العام للرهبنة اليسوعيّة في ٢٠ آذار٢٠٠٠، في مناسبة الاحتفال بعيد الجامعة السنويّ، إذ قال إن "جامعة القديس يوسف هي بين الجامعات التي أسّسها اليسوعيّون عبر العالم، الجامعة الأعزّ بالنسبة اليّ؛ ... لأنّها في نظري، حظيت أيضاً بامتياز عظيم، هو الإسهام في انبعاث الوعي العامّ لأمّة من الأمم". ويضيف معتبراً أنّ من حقّ الرهبنة أن تتوقع من الشبان الذين تتولى أمورهم، في عالم يتزايد فيه الفاصل بين الأغنياء والفقراء يوماً بعد يوم، أن يغلّبوا مبادئ العدالة الاجتماعية (...) وأن يؤكّدوا الحقّ في التنوع الثقافيّ (...) وأن يُعزّزوا قيم العقل النقديّ...".
فظاهرة تشكّل هذا المجال المدني الثاني في بيروت هي أهمّ توجّه سوسيولوجي جديد تبلور في العاصمة منذ عقود.
لذلك طالما لدينا في المدينة - العاصمة جامعات مستقلّة لها رسالة واضحة في بثّ وتعزيز التوجهّات المدنيّة، فلا خوف على استمرار وتطوّر هذا المنحى التاريخيّ.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard