زحمة في الأسواق، معمول، ريحان، فرح وحرمان... انه العيد

5 تموز 2016 | 15:27

المصدر: طرابلس - "النهار"

  • رولا حميد
  • المصدر: طرابلس - "النهار"

لعيد الفطر عند الطرابلسيين معنى مميز، ومذاق خاص، فهو تتويج لشهر رمضان المبارك حيث يؤدي خلاله المسلمون العديد من العبادات وينقطع خلاله الصائمون عن المأكل والمشرب نهاراً. ويتوج الشهر بحلول عيد الفطر السعيد، حاملا الأجر لمن صام في الآخرة و الفرح والبهجة والعودة إلى الحياة العادية.

تترافق التحضيرات للعيد بعجقة وصخب، فالناس منهمكون بشراء الثياب، لهم ولأطفالهم، فاكتظت الأسواق بهم، بالترافق مع حركة سير كانت مميزة هذا العام، وصاخبة حد الاختناق الذي لم تشهده المدينة قبلا، حيث سدت المنافذ إلى المدينة، وغصت الشوارع بالمارة والسيارات.

الحركة التي كانت تقتصر نهارا على الأسواق الحديثة، انتقلت في شوارعها وساحاتها المعروفة من ساحة التل ومتفرعاتها، بالاتجاهات المختلفة، نحو الزاهرية، والأسواق القديمة، وساحة الكورة، والنجمة، وعزمي، والبولفار. وفي الأسواق الداخلية حركة ناشطة، تمتد من باب الرمل جنوبا حتى باب التبانة شمالا، مرورا بكل الأسواق الداخلية الضيقة الممرات.

وفي مختلف الأحياء، بادر العديد من التجار واصحاب البسطات إلى تركيب مكبرات صوت بدأت منذ أمس الأول تبث الأبتهالات الدينية، والتلاوات القرآنية المتناسبة مع روح العيد.

وغصت مداخل المدينة من كافة الاتجاهات، وتوقف السير بصورة تامة عند متفرعات جسر الاوتوستراد الساحلي. وترافقت حركة السير الكبيرة بحركة متوسطة نهارا في الشوارع العامة، ومنها التجارية خاصة، أما ليلا، فينزل الناس إلى الشوارع، يستكشفون حاجات العيد، ويشترون حاجاتهم، فاكتظت الأسواق بهم، وعاشت المدينة حيوية ليلية غير مسبوقة.

ورغم مظاهر النشاط الكبير، يرى التجار أن الحركة كانت أضعف من السابق لجهة عمليات البيع والشراء، ويقول تجار ساحة التل أن الشائعات عن التفجيرات تركت اثرا كبيرا على النفوس، وتراجع الناس خصوصا في ظل الشائعات التي انطلقت عن احتمالات تفجيرات في أمكنة الازدحام.

ويبدي رئيس جمعية تجار شارع عزمي طلال بارودي ارتياحه لأن مظاهر الحركة جيدة وواعدة، ويلفت إلى أن التجار ابلغوه بتراجع الحركة بنسبة عشرين بالمائة، ويرد السبب الى نقص السيولة بيد المواطنين، والشائعات الكثيرة عن احتمالات وقوع تفجيرات، وهذا وحده كاف لتشل قدرة كل شخص يرغب بالعمل للخير العام.

ولاحظ بارودي حركة ارتياد واسعة لسكان الجوار الذين يرفدون المدينة بالحركة والارتياح فطرابلس عاصمة لبنان الثانية، وهي عاصمة الشمال كافة. وأكد أن لبنان بصورة عامة تأثر كثيرا بالأحداث السورية.

على المستوى الاجتماعي، العيد عيدان كالعادة، وإن طغت على المشهد حركة ناشطة، لكن في داخل الأحياء والبيوت، غير ما هو ظاهر في الشوارع.

في المدينة الحديثة الأكثر ثراء وبحبوجة، تتهيأ ربات المنازل ليوم عيد الفطر بتحضير اصناف معينة من المأكولات.

طقوس العيد

ويبدأ اليوم الأول بالصلاة صباحا، ثم اجتماع العائلات والأقارب، حيث يقضون النهار معا، فنجان قهوة، ونرجيلة ذهابا وإيابا طيلة النهار، وحركة فرح ناشطة داخل المنازل، وتحل الظهيرة، فتحضر إلى المائدة المآكل اللذيذة، وفي مقدمها ورق العنب الملفوف، الذي تتجمع عليه أكثر من عائلة من الأقرباء على مأدبة الغذاء في اليوم الأول من العيد. وهناك كافة الحلويات في الانتظار، من شوكولا ومعمول، وما تيسر من صناعة محلية شهيرة في لبنان. بعض من الحلويات من صنع المنزل، والآخر من صناعة المحلات الشهيرة.

أما الأطفال، والأولاد، فينطلقون منذ ساعات العيد الأولى إلى حدائق الألعاب حيث الأراجيح، وسيارات الكهرباء، وإلى الأرصفة للهو بالدراجات الهوائية، وطيارات الهواء، فتزدان الأجواء بألوان ثيابهم الزاهية، وحركتهم الناشطة، ويظلون في انطلاق حتى حلول الليل، ويستمرون على هذه الحال طوال أيام العيد.

في اليومين الثاني والثالث للعيد، ينطلق الناس لتبادل الزيارات والمعايدات التي ستمتد حتى نهاية الأسبوع بسبب حلول العيد منتصف الأسبوع.

بؤس المدينة القديمة

وفي المدينة القديمة، تتكرس حالة البؤس، وليس من مبرر لأن تكون أقل شقاوة عن السابق، فلم تتحرك العجلة الاقتصادية في البلد ككل، ولم يتغير الواقع في طرابلس التي يصيبها ما أصاب بقية المدن اللبنانية. ورغم ذلك، يؤكد بارودي أن مبيعات طرابلس، وحركته االتجارية أفضل من كافة المدن اللبنانية في ظل تطورات المرحلة التي نعيش.

في المناطق الداخلية، وجوارها حالة الفقر مستمرة، بأشكال مختلفة، وبنسبة فقر غير مسبوقة. ففي ساحة الدفتردار، يقول بائع العصير براق عبدالله أن الفقر يصل إلى حد عدم القدرة على الحصول على الطعام، لكنه يستدرك أن بعض الجمعيات وفاعلي الخير، يقومون بتوزيع وجبات الإفطار اليومية على كل ابناء المنطقة، وتمتد منها إلى المقلب الآخر حيث باب التبانة.

عبد الله يشير إلى بعض المواد المنزلية في دكانه ويقول أن كل هذهالبضائع لم تتحرك منذ أسابيع، والسبب فقر الحال، وعدم توفر السيولة لدى المواطنين.

أحد المارة مازن عمران، قال أن هناك صناعات حرفية في المنطقة يمكن أن تحمي بعض العائلات، لكن نسبة البطالة عالية جدا، وهي تنعكس فقرا مدقعا في المنطقة.

في ساحة الدفتردار يجلس الشاب وائل رحال، وأمامه كومة من نبتة الريحان، يصنع منها باقات صغيرة، يشتريها الناس لوضعها على اضرحة امواتهم صبيحة العيد. والريحان نبتة طبيعية، لها عطر جميل، اعتمدها الناس حيث لا يتوافر سعف النخل الذي استخدم زمن الصحابة للغاية عينها، بحسب وائل.

ويشكو رحال من "ضيق الحال، والفقر المدقع الذي نعيش، ولولا المكرمات، لبقي ثلاثة أرباع الناس في المنطقة من دون طعام طيلة رمضان".

وعلى مقربة من الجامع المعلق، تجلس ثلاث سيدات، ينتظرن مصلح الأحذية. ولدى سؤالهن عن العيد، وكيف سيقضينه، اختصرت إحداهن الموقف قائلة: "أقدر أن أدفع 500 ليرة لتصليح حذاء ابني واكتفي بالباسه ثياب اخيه الاكبر ولا استطيع أن أفعل شيئا آخر. هكذا يكون العيد عند الفقراء والمحتاجين في احزمة البؤس التي صارت تشكل النسبة الاكبر من مدينة طرابلس، هذه المدينة التي كانت الاكثر غنى والانشط حركة اقتصادية في لبنان قبل عقود مضت".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard