ثلاثة مسلسلات أحدها رائع: تحرّش وأمراض وجنون... إيه لبيحصل ده؟

3 تموز 2016 | 23:21

المصدر: "النهار"

لم تتسنَّ لنا متابعة كلّ مسلسلات مصر. آه من الوقت، ما أقساه. تفرّغنا لـ"أفراح القبة" ("أم بي سي دراما") وجذبنا جمال التمثيل وذاكرة الأبطال. وكان لا بدّ من نقلة يسرا إلى دراما أعمق في "فوق مستوى الشبهات" ("سي بي سي")، فتابعناه. ثم بدأت الساعة تجري كأنّها عقابٌ يذكّر بأنّ شيئاً سيفوتنا لا محال. كمسلسل "الأسطورة" مثلاً، أو "القيصر" أو "الميزان"، وسواها مما لم نشاهد. مصر هذه السنة محاولة لتعويض ما فات. الدراما المضطربة بغالبيتها، التي رسمت ملامح المواسم الرمضانية الأخيرة، تنقضّ على الذات، وتحاول إعادة تجميع ما تبعثر. "أفراح القبة" خطوة مصرية إلى الأمام بعد تعثّر الخطى، استحق جميل الكتابة وجميل الغوص؛ ولمن يشاء مراجعته، فالمقال في الملف الرمضاني. حديثنا الليلة عن ثلاث خطوات أخرى، بعضها واثق من النفس، صلبٌ، ماهر، كـ"غراند أوتيل"، وبعضها خانته مطبّاته، فتباطأ وفقد التوازن كـ"الخانكة" و"سقوط حرّ".

(نيللي كريم).

البداية مع نيللي كريم المبدعة بكلّ نَفَس تلفزيوني تتنفّسه ودور تؤديه من الأعماق. يتجدّد اللقاء مع مريم نعوم، وتُقدّمها، مع وائل حمدي (كاتبا المسلسل، تعرضه "دبي" و"سي بي سي")، في دور ملك المسكونة باضطراباتها وتهيّؤاتها وخربطة الواقع بخيالات مريضة. أمام المخرج شوقي الماجري (جمعهما "هدوء نسبي")، تشكّل ملك حال اختزال فريدة للفارق بين صدمة المرء وجنونه. انطلاق المسلسل من ربط اسم ملك بجريمة قتل زوجها وشقيقتها، كذريعة لدخول عالم المرضى النفسيين، بدا تمهيداً لطرح هشّ لإشكالية الماضي والأسرة والتربية، إذ يتبيّن أنّ مصائب ملك سببها سوء معاملة الأم (صفاء الطوخي في دور لافت)، من دون إقناع درامي سليم بهذه الفرضية، على حساب تضخيم الحال الكئيبة للشخصية حدّ جعلها على مسافة مخيفة من المُشاهد.

العلّة هذه السنة في التركيبة الدرامية للمسلسل. اعتدنا نيللي كريم بتفوّق تلو آخر، منذ "ذات"، "وسجن النسا" و"تحت السيطرة"، لكنّها في "سقوط حرّ" تقع في مبالغات النصّ وتطوّراته وألغازه، مما يضعها أمام حال من استنزاف الأدوار المتشابهة وضرورة البحث عن خيار مغاير. يرفع المسلسل الخطاب الآتي: جميعنا مرضى، أكنا في مستشفى العباسية للأمراض النفسية والعقلية، أم في منازلنا وداخل البيت وفي تيه الشوارع. وما يحدث في المصحة، قد يحدث في أيّ مكان آخر من دون أن ندري. تدرك مريم نعوم تفاصيل نيللي كريم ونهشها بالأظفار روح شخصياتها. بدا كأنّ النص هذه المرة زجّ كآبات المرضى جميعاً بالشخصية، من دون خطوط درامية مُساندة وشَرْح مقنع للأسباب التي أفضت إلى النتيجة المريعة، بغرض إثارة طال الاتكال عليها ففقدت بريقها التلفزيوني. جميل مشهد الطبيب وليد (محمد فراج) وهو يشرح لآدم ابن ملك (أحمد داش) مرض الأم واضطراباتها. هذا الصبي زينة المسلسل وذكاؤه، من طريقه وصلت نظرية السقوط الحرّ (الهرب من المآسي بإسقاط العقل على الأرض، تماماً كما تسقط الخشبة من الأعلى) إلى المُشاهد بواقعية وسلاسة. لولا التطويل وخَلْق حالات خانقة من دون أضواء ونوافذ، والانزلاق الفجائي تجاه بعض التسطيح في محاكاة رواسب الماضي، لقُدِّم المسلسل بمتعة عميقة تكرِّس نيللي كريم نجمة الدراما الأولى. هذه السنة، قُلبَت المعادلة، ورغم روعة التمثيل (إنجي المقدم، أنوشكا، محمد فراج، فريال يوسف، وطبعاً نيللي كريم المُفترض أن تطلّ في رمضان المقبل بدور تبتسم فيه قليلاً...) لم يحقق المسلسل صدى نقدياً يحلم به.

(من "غراند أوتيل").

رائع كـ"أفراح القبة"، هو "غراند أوتيل" (كتابة تامر حبيب، إخراج محمد شاكر خضير، تعرضه "سي بي سي"، "إيه آر تي حكايات"). أحياناً، يكفي بعض المسلسلات لمنح الجوّ العام نَفَساً إيجابياً. كأن نقول: "مصر تفوّقت!"، فيما الواقع أنّ بعض أعمال مصر هو المتفوّق. الجميع في "غراند أوتيل" أداءٌ درامي متألق (أنوشكا، أمينة خليل، محمود البنزاوي، دينا الشربيني وأيضاً عمرو يوسف). الكاراكتير منهم مسلسلٌ على حدة، وفي الآن عينه مكوّنٌ إضافي داخل المزيج المتكامل. إننا في خمسينات القرن الماضي، حيث للتفاصيل حكايات: الصورة، الملابس، الحبّ، ضفاف النيل، والتورّط. يعود علي (يوسف) من المنصورة إلى أصوان للبحث عن لغز اختفاء شقيقته، فيدخل عالم الـ"غراند أوتيل" حيث كانت تعمل، ليصطدم بحال نكران غريبة تجاه الأخت واختفائها. علي شابٌ بسيط هادئ، يسير في الظلال رافعاً شعار "يا ربّ السترة". في ذلك الفندق، تحلّ عليه التناقضات اليومية: التروّي والغضب؛ الهرب والحب؛ وملامح الصراع الطبقي. يطرح المسلسل بإتقان درامي جميل، تيمة المصادفات غير المُنتَظرة، فاتحاً المجال لاستفهامات تطال العلاقات الإنسانية والمفاجآت والحقائق. ذلك كلّه ضمن جوّ داخلي طاغٍ، كأنّ الفندق هو الإنسان نفسه، وما يدور في داخله اختزال لصراعات أعماقه وتخبّط الأمواج في صدره. ليس عبثاً اختيار خضير الخارج مسرحاً هامشياً لتطوّرات تتعلّق بإشكالية التعامل مع الحدث الطارئ، في اعتبار أنّ حقيقة الإنسان داخله والخارج مرآة مغشوشة، وفي الآن عينه، هذا الخيار أداة نجاة ذكية من معالم مصر الحديثة وغربة الحاضر بتشوّهاته العمرانية عن الماضي بعصره الذهبي.

(من "الخانكة"- عن الانترنت).

إلى مسلسل "الخانكة" (تأليف محمود دسوقي، إخراج محمد جمعة، تعرضه "النهار"المصرية)، وطرحه إشكالية التحرّش وضياع الحقّ. البطولة لغادة عبدالرازق في دور أميرة المعرَّضة لتحرّش جنسي يبدّل أولويات حياتها. المسلسل بطيء، يكرّر حقيقة أنّ العدالة قد لا تكون على هذه الأرض. عبدالرازق تؤدي أدوارها بإتقان، لكنّها ما عادت تقدّم إبهاراً نوعياً. تتفانى للظهور بصورة درامية "صادمة"، لكنّ ثمة ما يحول دون متعة التفرّج. "الكابوس" في رمضان الفائت سقطة جماهيرية رغم التألق التمثيلي، لكنّ المُشاهد ما عاد يحتمل مناخات ضاغطة من دون جمال فني. عبدالرازق وماجد المصري (دور مُستفزّ في شخصية سليم الخواجة) يشكّلان حضوراً درامياً يحمّس على المُشاهدة، لكنّ السياق يدور ويدور ليترك المُشاهد مصاباً بصداع مجاني. كلّ ذلك ليقول إنّ حياة كثر ضاعت بحثاً عن حقّ عادل، وما نعيشه في الحاضر سببه أخطاء الأهل في مرحلة الطفولة. نبض المسلسل هذه المرة ماجد المصري. على عبدالرازق تقويم خياراتها، فلا تصدّق طوال الوقت أنّ الاسم يصنع المعجزات.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard