عقابنا التخلّف و"أمرك ابن عمي"... والشيخ المسكين لن ينقذ الوضع!

29 حزيران 2016 | 23:28

المصدر: "النهار"

عادل علي يكرّر دوره.

كأنّه لا تكفينا مسلسلات التخلّف المسمّاة "بيئة شامية" المُستنسخة عن "باب الحارة"، حتى تفيض النِعم. البنية واحدة، مع تلاعب سيناريستي طفيف عنوانه الحبّ والثأر والكرامة. "خاتون" ("أم تي في"، "إيه آر تي حكايات") نسخة عن "باب الحارة" بعد وصوله إلى الجزء الثامن. منطق الزعامة نفسه، والخضوع ببؤسه وغباوته: "امرك ابن عمي". إلى متفرّعات الجهل والذكورة، رغم ادّعاء المسلسل عدم سلب المرأة رأيها أقلّه باختيار الزوج. يدرك صنّاع المُنتج المُستهلك ضرورة البحث عن إطار جديد لإعادة تدوير موضوعات قديمة، كحبّ "محرَّم" بين ابنة زعيم الحارة وضابط فرنسي عدو، يتحوّل "وزن" المسلسل وواجهته التجارية. سوى ذلك، تيمات تتكرّر من دون إبداع: بطولات، أمجاد وطنية، خير، شرّ، ثأر، وغسل العار. دراما بالية.

(باسم ياخور في دور عكاش).

لولا هرب خاتون (كندا حنا) في ليلة خطوبتها، للزواج من الضابط اللبناني- الفرنسي كريم (يوسف الخال)، لما وُلدت في المسلسل حماسة غير مُتوقَّعة. ربْط شخصية البطلة خاتون بالعصيان والتمرّد، منح العمل منحى درامياً مغايراً عن واجب الطاعة المُكبَّل حول عنق المرأة، وهنا فقط، يسير المسلسل عكس مجرى النهر. حتى "باب الحارة" نفسه أدرك أنّه ليس من مصلحته بعد اليوم الاستمرار بتكريس عبودية المرأة، فرطَّب الأجواء وفتح بعض الشيء نوافذه المُغلقة. "خاتون" (تأليف طلال مارديني، معالجة درامية سيف رضا حامد وإخراج تامر إسحق)، مرة أخرى، عن البطولات الدمشقية في مواجهة الانتداب الفرنسي. عوض حارة الضبع، أنتَ في حارة العمارة، زعيمها أبو العزّ (سلوم حداد) وعكيدها الزيبق (معتصم النهار) التائه في المواجهات، الطافح بصفات الرجل "المثالي": شهامة، شجاعة، صَوْن الشرف والأخذ بالثأر. شخصيات لا تصنع أدوارها مسلسلاً صاخباً هاجسه "نسف" أسطورة "باب الحارة"، فيُضاف عاملا "جذب": غضب عكاش (باسم ياخور بأدائه الجميل) وسلوكه خارج الأدبيات، وحبّ خاتون لكريم. الأول انتهى دوره باكراً، تاركاً بموت الشخصية فراغاً ليس لمصلحة المسلسل، والعامل الثاني بلغ ذروته بهروب خاتون ابنة الزعيم من بيت العائلة، واطلاق صرخة التداعيات المعروفة، كالتبرّئ من الابنة واستنفار الأبناء وسطوة الغرائز والمطالبة بـ"غسل العار". إبداع.

(كاريس بشار في دور زمرد).

يجد المسلسل أنّه لا بدّ من التحرّك أمام التورّط بتكريس ثقافة العدم وإعلاء النشاز الغريزي. هنا يولد عنصر "جذب" آخر، وإن بسياق الضرورة وردّ الفعل، مُمثلاً بـ"الخطاب الديني المعتدل". عادل علي يؤدّي الدور نفسه في مسلسلين: الشيخ عبدالعليم في "باب الحارة" والشيخ أبو طاهر في "خاتون"! في مقابل فورة تحليل الدماء ("دم خاتون وكريم حلال"، يجاهر الزعيم على الملأ في ساحة الحارة) والدعوة إلى الاقتصاص وتمجيد العنف، ثمة خطاب ديني، هادئ، عقلاني، يحرّم سفك الدماء ويضبط عشوائية الانفعال. عند هذه المشهدية، يستعيد المسلسل دوره الإسقاطي على حال المنطقة بظلامها وأمنها وثقافة الانتقام والغريزة، ليعود بعدها إلى كليشيات الثرثرة والفتنة بمستوييها الداخلي والعام، وتنفيذ أجندات المحتل كما يُفسّر كريم زواجه من خاتون لزوجته الأولى.

(يوسف الخال في دور كريم).

المسلسل أسماء لم تعد تقدّم جديداً في سياق دراما "البيئة"، منها ميلاد يوسف في دور عزّ الدين. لولا تعدّد زوجاته في "باب الحارة" لانتهى مبرّر الشخصية. اللافت أنّ كندا حنا أمام أداء يشبه أسهم بورصة متوتّرة، ارتفاع ضئيل، ركود مستمر، فهبوط. ذلك أفضل من أداء يوسف الخال المخيب، حيث الشخصية في مكان آخر. شكران مرتجى وأيمن رضا حضورٌ كوميدي هشّ، يحاول التمثّل بثنائية فوزية وأبو بدر في "باب الحارة". كلّ الأداء في جهة، وضعف دور كاريس بشار في الجهة المقابلة. زمرّد شخصية هامشية، لا حضور لها في المعادلات، كأنّها ردّ فعل على شخصيتي خاتون ونعمت (سلافة معمار). يمتصّ المسلسل قدرة بشار على صنع الدور المدهش، ويقدّمها كإحدى زوجات عصام في "باب الحارة"، بالكاد تمتلك مساحة الحركة والإبداع. معمار تؤدّي شخصية المتلاعبة على الحبال، الطمّاعة، مثيرة الفتن، من دون أن يشكّل الدور في مسيرتها فارقاً نوعياً. المسلسل جزءان، مشاهدته عقاب.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard