ضحيّة بسَمنة وضَحيّة بزيت

29 حزيران 2016 | 22:07

المصدر: النهار

يحضُر في هذه الأيام التي جعلت الإرهاب عملة عالميّة دارجة لا تعترف بالحدود ولا تقرّ بالجغرافيا، الإستفهام المتوقّد حول تفوّق موتٍ على موت آخر.

في اليوم الأول وفي ساعات الصباح الأولى تبقّعت بلدة القاع البقاعيّة بالدمّ ودخلت عنوة في حلقة أولى من العنف المُختلّ، لن تلبث أن تليها حلقات أخرى، ليلاً. في اليوم التالي حلّت تهلكة أخرى تبين ان مرماها اسطنبول المدينة المُعتقلة بين منحيين، بين التمسك بالتميّز الشرقي وبين مقاومة النزعة إلى اعتناق الماهيّة الغربيّة.
كان من التلقائي أن تنطلق من رحم هذين الحدّين الحَدَثيين أسئلة حول قيمة الفقد الإنساني ومعناه. ذلك ان لبنان، كشخصية معنوية، بدا شبه غائب عن شاشات التغطية الإخبارية اللحظويّة على المستوى العالمي فاقتصرت ترددات الفعل الجُرمي المتناسل في أرضه والذي وقع ضحيته، على حدود وسائل إعلام المنطقة العربيّة، في حين ان الموت في نسخته التركيّة تراءى أكثر حضوراً وإن لم يرتقِ، وفي أكثر من معنى، إلى مستوى الموت الأميركي أو الأوروبي.

عندما يُكبّ الصحافي على صوغ أي خبر وعلى اختلاف فحواه، يستحضر الأسئلة الخمسة أو ما تسمّيها المدرسة الأنغلوساكسونية5W وهي: من وماذا ولماذا ومتى وأين. غير انه يتجلّى اليوم ونحن نلحق بركاب التطوّرات اننا دخلنا في نفق الإستثناءات. لم تعد المعايير الخبريّة على حالها بعدما بزغ منطق أحوَل نواته تضخيم الـ "مَنْ"، أو تهميشها، وفق قاعدة الـ "أين". كأن ثمة "ضحيّة بسَمنة وضَحيّة بزيت" إذا استعرنا مضمون المثال الشعبي اللبناني.
ليس من الخطأ الإقرار بأن الواقع إضطلع وعلى الدوام بدور تكذيب فكرة التعادل بين الناس وردّ حجّة القائل بإن الجميع سواسية، على اختلاف أعراقهم وانتماءاتها ودياناتهم وحجم دولهم وأضغاث أحلامهم. سبق أن ألمح جورج أورويل في مؤلّفه "مزرعة الحيوانات" إلى ما يعنيه الإجحاف السياسي حين انصرف إلى تمرين فقء دملة الخبث السلطويّة القائمة على ادعاء تأمين المساواة بين الحيوانات/البشر، في حين اقتصرت عملياً على نخبة لا أكثر. ومن أجل التعبير عن الشواذ المُغلّف بالرياء، كتب الإنكليزي "جميع الحيوانات متساوية، غير أن البعض أكثر تساوياً من البعض الآخر". وبينما يحيل هذا الكلام على خطف مصائر الناس أحياء، فإن في وسعنا أيضا أن نمطّه ليشمل الناس في مماتهم كذلك. قد نغامر في الكتابة على سبيل المثال "إن جميع الناس متساوين في حتفهم، غير ان البعض أكثر تساوياً من البعض الآخر".

سأل المجتمع الأميركي في أعقاب اعتداءات الحادي عشر من أيلول 2001 عن مفهوم التعويض على الضحايا وعن قيمَتي الحياة والموت وعن الحدود الفاصلة بين حقيقة المأساة وبين تحوّل المسعى إلى تحديد أي ثمن لها، إلى مهزلة. تعلّق السؤال أيضا بالسبيل المناسب لتقويم الحياة الآدمية الفرديّة عبر المنطق المادي، من دون اصابتها بالمهانة.

المسألة مركّبة بلا ريب، وربما يكون مستحيلاً أن نبحث عن تعبيرات ملائمة للموت وعن مرادفات مواتية للحيوات التي أزهقت. فكيف نُنصف الموت البشري مادياً وكيف لا نبخّسه حين نخضعه لمنطق الجغرافيا والتاريخ والجبروت السياسي؟
حلّ الشرّ أخيراً في أكثر من توقيت عند أولى ساعات الفجر وعند أولى ساعات الليل. لكأن المسخ المقيت وفي ساحتي جريمته استهدف يوميّات اللبنانيين وقنص فكرة إنتمائهم إلى مجرى الحياة. ذرّ الموت من حوله واستحضر حريقاً أقام في منازل أخرى، لكن أتراه يجهل الأمثولة القديمة، تلك القائلة بإن لا حياة بالنسبة للبنانيين سوى من طريق النجاة؟


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard