بعد 20 سنة قضتها في لبنان، مصير لاما على المحكّ: إما الرحيل أو العيش مع سليم

1 تموز 2016 | 12:13

المصدر: "النهار"

وكأن نهاية مشوار حياتيّ دامت أكثر من 20 سنة، جاءت فقيرة. هاجس المغادرة حلّ سريعاً، دون إنذارٍ بضرورة لمّ الذكريات قبل توضيب الحقائب. هي قصّة عائلة لاما العاملة الأجنبيّة من التبعيّة السري لنكيّة، التي تتحضّر لمغادرة الأراضي اللبنانية بعدما ضاقت بها سبل الحلّ بعد تعذّر إمكان تجديد عقد عملها. لا ذنب اقترفته. لم يسبق لها أن رمت وردة في وجه أحد. امرأة كادحة، بنت عرش مملكتها الأسريّة في غرفتين متواضعتين قرابة مكان عمل زوجها في مصنعٍ لأدوات التنظيف. مشكلتها المستجدّة أنها لا تعيش في منزل كفيلها المدعو سليم. رغم مضيّ سنوات طويلة على عيشها في بيتٍ مستقلّ نتيجة رغبةٍ مشتركة بين عائلتها وعائلة ربّ عملها.

فجأة، تصطدم بقرار مفاده عدم إمكان تجديد اقامتها في لبنان، على رغم أن تجديدها لم يصطدم يوماً بعقبات سوى في العامين المنصرمين، حيث بات التشديد من الدولة اللبنانية على رفض مسألة سكن العاملة خارج منزل الكفيل والتطلع نحو ترحيل عائلتها بحسب ما تشير مسؤولة الأبحاث والمناصرة في جمعيّة "إنسان" رلى حماتي لـ"النهار". بات الحلّ له وجهة واحدة: العودة الى سري لنكا. هي وولداها وزوجها يتأرجحون بين اليد التي تمسك بـ 20 عاماً من الاستقرار في لبنان، وعتبة الرحيل الذي لا عودة منه نحو الأمس. هم تجذّروا في لبنان بعد إقامةٍ دامت مرحلة عمرية كاملة، خرج خلالها ابنها البكر خرّيجاً جامعيّاً من جامعة لبنانيّة، فيما الفتاة سائرة على درب شقيقها في النجاح الأكاديمي.

محاولات حثيثة أملت عائلة لاما في نجاحها لضمان بقائها في لبنان. كان أبرزها أنها تقدّمت بأوراق تثبت عملها لصالح كفيلها، وأنها تعمل في دوامٍ يوميّ تعود بعده من منزل مستخدميها الذين أمنوا لها مكان سكنٍ لائق في محيط مجتمعي قريب من منزلهم الخاص. كما تقدّم كفيلها بمستندات تثبت عملها لصالحه، لكن لم يكن لكلّ ذلك وقعٌ ايجابيّ. بين المغادرة او البحث عن حلٍّ غريب قد يفصل العاملة السري لنكيّة عن عائلتها، يضيع المصير في نقطة نهاية.

حقّ العاملة في التنقل واختيار مكان السكن
ليست عائلة لاما الوحيدة التي تواجه مصير الترحيل من لبنان، بل ينضمّ اليها عدد كبير من العائلات التي لاقت تضييقاً في إمكان تجديد عقد عملها في لبنان. فيما الأسباب تختصرها حماتي بعدم تقبّل سكن المستخدمة خارج نطاق منزل كفيلها بعد اليوم. واعتُبرت هذه الظاهرة المستجدّة باباً للنقاش والتداول في مناسبة اليوم العالمي لعمال المنازل، حيث أطلقت جمعية "إنسان" تقريراً لدراسةٍ بعنوان: "Trapped: Migrant Domestic Workers in Lebanon" وذلك يوم الأربعاء 22/06/2016 في جامعة الحكمة.

وتشير حماتي في حديثٍ لـ"النهار" الى أنه "يمكن اختصار الدراسة بهدفين اساسيّين: "حريّة التنقل الذي من ضمنه حريّة السكن". وتشمل فكرة حريّة التنقل قدرة العاملة على مغادرة مكان سكنها وحقها في اختيار مكان السكن الذي تريد. لكن لغطاً يشوب معرفة الجمهور اللبناني حيال حقّ العاملة في السكن بمفردها. نسمع دائماً أن عليها أن تعيش في منزل الكفيل، لكن هذه المعادلة غير دقيقة قانوناً. هي تتمتع بحريّة التنقل وحقّ اختيار السكن برعاية #الدستور اللبناني الذي هو جزءٌ لا يتجزّأ من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والمعاهدات الدولية، وابرزها معاهدة الحقوق السياسية والمدنية التي تناولت حق العاملة الأجنبيّة بالسكن والتنقل".

وتلخّص اللغط الحاصل حيال مكان سكن العاملة بالفقرة 2 من عقد العمل الموحّد التي تقول بضرورة تأمين مكان لائق للسكن للعاملة. برأيها أن هذا القانون يترجم بفرض سكن العاملة مع صاحب العمل، علماً ان مكان السكن اللائق ممكن ان يكون داخل منزل الكفيل او خارجه. وتذهب أبعد من ذلك، معتبرةً أن مخالفة عقد العمل للحق الدستوري والقانوني يجعله عقداً باطلاً وليس العكس.

"برأيك، الى أي مدى يمكن المواطن اللبناني أن يتقبّل فعليّاً مسألة سكن الخادمة بمفردها؟"، تجيب أن "عدداً كبيراً من المستخدمين يرغبون في سكن العاملة خارج المنزل لأسباب كثيرة كالخصوصية وصُغر مساحة البيت. حتى إن البعض يرفض أن تسكن العاملة معه تحت سقفٍ واحد، لذلك لا يستقدمها. ونحن لا نقول إن على كلّ عاملة السكن خارج منزل مستخدمها. لكن عندما يتفق الطرفان على سكنها خارجاً، يجب عدم عرقلتهما من الدولة".

السكن في منزل الكفيل تقليد عزّزه نظام الكفالة
بين 250 ألف عامل أجنبي يعملون في لبنان هناك نحو 80 ألف منهم يعيشون في منزلٍ مستقلّ عن أرباب عملهم. هذه الإحصاءات على رغم أنها غير متوقّعة، الا أنها تعكس ضرورة ادراك اللبناني الى أن فكرة انفصال المستخدمة سكنيّاً عنه ليست مدعاة صدمة. مديرة العلاقات العامّة في جمعيّة "إنسان" السيدة رندة الديراني تشير في حديثٍ لـ"النهار" الى أن "سكن العاملة في منزل الكفيل هو أشبه بتقليد يتبعه الناس، من دون معرفة اذا ما كان مجرّد عادة لبنانية أو أنه فعلاً خيارٌ صائب. لكن المؤسسات والجمعيات التي تُعنى بحقوق الاجانب باتت تساعد أرباب #الأسرة والعاملات على معرفة حقوقهم وواجباتهم على حدٍّ سواء. البعض يعتقد بضرورة اقامة الخادمة لديه لحمايتها، لكن الفكرة قانونياً مغلوطة".

"تداركاً لتعرّض المستخدمة لمكروهٍ خلال سكنها بمفردها، مسؤولية رب العمل حيالها في هذا الإطار، لا تحتّم عليه اتخاذ تدابير لحمايتها، وبالتالي تفضيل سكنها في منزله؟"، تقول: "نظام الكفالة هو فعليّاً من يضع أرباب المنزل في صورة المسؤولية عن العاملة مهما حصل معها من تطوّرات. في الحقيقة، هذا لا يمنع من أن تتمتع العاملة بحريّة التنقل، لأن العقد ينصّ على ان يكون لديها مسكن لائق بمواصفات معيّنة تضمن احترام الانسان. وفي النهاية اذا سلّمنا جدلاً أنها تعيش في منزل مستخدمها، ستحصل على يوم عطلة اسبوعيّاً وهي قادرة على الخروج في هذا اليوم. وبالتالي احتمال أن تتعرّض لمكروه مسألة واردة في شتّى الأحوال. كما انه لا يمكن الاستناد الى هذه الفكرة للحد من حريّة انسان".

القانون ألزمها مكان العمل لا مكان السكن
للدخول في مقاربة قانونية دقيقة حيال حقّ العاملة في السكن خارج منزل مستخدمها، كان لـ"النهار" حديثٌ مع المحامي ايلي قليموس الذي يشير الى أنّ "لا مشكلة قانونية حيال مسألة سكن العاملة خارج نطاق منزل كفيلها. ولكنه هو من يتحمّل مسؤوليّتها قانونيّاً. وهي في حال عمدت الى تبني اي تصرّف خارج اطار القانون تتحمّل مسؤولية شخصيّة ملقاة على عاتقها، اضافةً الى مسؤولية كفيلها الذي يتمّ مراجعته بشتى المسائل التي تحصل معها خلال اقامتها بلبنان".

ويضيف: "هناك نظام قانوني على العمال الأجانب اتباعه وهو نظام الكفالة. هناك بلدان تتبع هذا النظام مع اللبنانيين خارجاً. وبالتالي يتمتع العاملون بحقوق جوهريّة وعليهم واجبات لا بد لهم من احترامها. القانون اللبناني لا يمنع العاملة من السكن في المكان الذي تريده، الا أن العقد الموقّع ألزمها العمل لدى ربّ العمل الذي استقدمها لهذه الغاية. هذا يعني التزامها بمكان العمل وليس بمكان السكن الذي يمكن الاتفاق عليه بين الطرفين بالتراضي. كما أن حقّ العامل الأجنبي وحريّته في التنقلّ موضوع تنصّ عليه القوانين اللبنانيّة والمعاهدات الدوليّة التي تحفظ #حقوق_الانسان وحقوق العمال والمستخدمين".

بدلاً من مقاربة مسألة سكن العاملة الأجنبية خارج نطاق منزل الكفيل من وجهة نظرٍ سلبيّة مستغربة، لا بدّ من التعقيب على الناحية الايجابيّة منها. هي تساهم قبل أي شيء في التخلّص من الخلافات والسجالات والمشاحنات العائليّة التي تنتج من اعتبار المستخدمة جزءاً لا يتجزّأ من #العائلة. انها عاملة، وليست تابعاً للأسرة أو ملحقاً لها. عائلة لاما لا تزال تنتظر باب أملٍ يكتب لها فصلاً جديداً من القصّة في لبنان. قبل ان تغلب برهة رحيل، 20 سنة من العمر.

هشام حداد: باسيل هو من ورط رئيس الجمهورية بهذا الوضع

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard