لماذا لا يجمع الفاتيكان مثقفين أتراكاً وأرمنَ للحوار؟

27 حزيران 2016 | 13:29

المصدر: "النهار"

إحدى اللوحات في قلعة "سدان". (تصوير جهاد الزين)

زرتُ هذا العام، قبل حوالي ثلاثة أشهر، مدينة "سدان" في منطقة "الأردين" شرق فرنسا ونمت ليلةً في قلعتها القروسطية الضخمة، واحدة من أضخم قلاع فرنسا التي تحوّلت إلى فندق. لهذه المدينة تاريخ عسكري حافل لأنها شهدت انهيار جيش نابوليون الثالث عام 1870 واستسلامه فيها للجيش البروسي البسماركي كما شَهِدَتْ هذه المدينة قربها اختراقَ الجيش الهتلري لخط ماجينو الفرنسي عام 1940. لكن أهم ما في تاريخها، من الزاوية التي تعنينا مباشرةً في الشرق الأوسط، هي أنها كانت المدينة الوحيدة خلال الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك، المدينة ذات الحاكم البروتستانتي التي استقبلت لاجئين كاثوليك هربوا من مناطق أخرى حماهم الدوق الحاكم و تعايشوا مع سكانها ولاجئيها الكاثوليك.

من حسن الحظ، وبدءاً من لبنان وغيره، هناك الكثير من الـ"سدانات" الأمنية في الحروب الدينية والمذهبية الحالية. المشكلة هي نقص بل شبه غياب "سدان" سياسية في المنطقة لحل أو للسعي لحل حروبنا الحالية. واقتصار مدن الحوار على الغرب في كل المواضيع الرئيسية.
زيارة البابا فرنسيس، البابا غير الاعتيادي الذي كسر العديدَ من تقاليد الكنيسة الصارمة وبعضَ أطروحاتها الفكرية وأحدث صدمةً في أولوية التعامل مع الفقراء في العالم، زيارته إلى أرمينيا التي انتهت أمس الأول الأحد، يمكن أن تتحوّل إلى منطلق لمبادرة حوارية غير مألوفة ليس بين الدولتين التركية والأرمنية، فهذه مهمة صعبة جداً في ظروف الارتداد القومي المتشدِّد على الجهتين ولاسيما مع الارتدادة "الشوفينية" للرئيس رجب طيِّب أردوغان في الموضوع الكردي من حيث الحرب الضارية الدائرة في الجنوب الشرقي.
أطلق البابا حمامتين من داخل الأراضي الأرمنية باتجاه جبل #أرارات، الرمز المقدّس للأرمن والموجود داخل الأراضي التركية. يمكن أن يفهم بعض الأرمن المتعصِّبين في أرمينيا والدياسبورا هذه الحركة على أنها إرسال "حمامتي حرب" لا سلام صوب تركيا لكن لا أشك لحظةً مثل كثيرين في العالم أن البابا فرنسيس يريدهما حمامتي سلام تجاه الأتراك وكل الشرق الأوسط الملتهب.
صحيح أن الزمن زمن حروب دينية ومذهبية في نظر الإسلام التكفيري الذي بدأ يهدد تركيا نفسها، لكن الكنيسة الكاثوليكية في عهد البابا فرنسيس ليست كنيسة حروب حتى لو اعتبرت "الحكومة الإسلامية" في أنقرة أن تصريحاته حول "الإبادة" تحمل بصمة "صليبية". فهذه التهمة سهلة وجاهزة وفعالة ولكن البابا الذي زار تركيا طويلاً قبل أن يزور أرمينيا هو رجل حوار خارج الكنيسة ورجل نقد وضغط داخل الكنيسة مما منحه سمعة عالمية، لاسيما بين النخب العلمانية في الغرب، وبالتالي نخب العالم المسلم، هي التي يمكن بلورتها في مبادرة غير مألوفة على مستوى الخلاف التركي الأرمني، وتكون واحدةً تُضاف إلى مبادراته السابقة في مجالات متعددة ومنها لقاؤه شيخ الأزهر بعد توتّر العلاقات في عهد البابا السابق.
أليس بإمكان الفاتيكان، عبر هذا البابا بالذات، أخذ مبادرة جمع أسماء ثقافية كبيرة مدروسة على الجانبين التركي والأرمني داخل البلدين وفي المَهاجر... تقوم بحوار هادئ بعيداً عن المواقف المسبقة المتوترة لبحث مستقبل العلاقات الأرمنية التركية في مستوياتها المتعددة وبحيث تكون مسألة المجازر الأرمنية مطروحة لا من الناحية التاريخية البحت بل من حيث "موقع" هذه المعضلة التاريخية الحارة في صيغة العلاقات التي تشكل حالياً ربما المصدر الثاني للتوتر الديني في المنطقة بعد المصدر الأول والأخطر والمتفاقم بين المسلمين واليهود وهو القضية الفلسطينية.
إنه إذن بحث مستقبلي لا ماضوي.
تزايد كثيراً في العقد الأخير عدد المثقفين الأتراك، وبينهم كبار، الذين يأخذون موقفاً نقدياً ومختلفاً عن الموقف الرسمي التقليدي للدولة التركية. لا أعرف حالات مشابهة على الجهة الأرمنية. ومع الأسف لم يتطور إمكان تيار ما أرمني ضاغط يلاقي مواقف المثقفين والصحافيين الأتراك الكبار بسبب الضربة التي تعرّض لها هذا التيار عبر اغتيال داعية الحوار الصحافي الأرمني التركي هرانت دينك قبل سنوات في اسطنبول وعلى مستوى أوسع بسبب تفاقم حالة المسيحيين السوريين والعراقيين في الحرب الدائرة في البلدين المنهارين وكون الأرمن جزءاً لا يتجزأ مما تعرّض ويتعرّض له المسيحيون في سوريا والعراق.
ولعلَ المفارقة الكبيرة هي تزامن التوتر التركي مع الفاتيكان مع كشف الاتفاق التركي الإسرائيلي لاستعادة العلاقات بين أنقره والدولة العبرية.
تقوم بكلا التوجهين حكومةٌ "إسلامية" أو "إسلاموية" في تركيا! لكن لن ينفع كثيراَ ستار نقد "الصليبية" في المسألة الأرمنية. ومن يلقي نظرةً على خارطة المنطقة سيجد أن ثلاث كتل مسيحية رئيسية وربما شبه وحيدة تحيط بها: الكتلة المسيحية القبطية في الجنوب والكتلة المسيحية الأرمنية في القوقاز وفي الوسط الكتلة المسيحية الأصغر عدداَ ولكن الكبيرة الفعالية سياسياَ وثقافياَ واقتصادياَ وهي الكتلة المسيحية اللبنانية. ألم يكن طبيعياَ ومعبِّراً أن يبعث أرمن منطقة القامشلي السورية، و التي تبعد عن يريفان العاصمة الأرمنية أقل مما تبعد عن حلب، برسالة تهنئة للبابا خلال وجوده "قربهم" ؟!
دخل مثقفون أتراك المحاكم بسبب مواقفهم الشجاعة وبعضهم هرب من خطر الاغتيال، ليس فقط في الموضوع الأرمني بل الكردي أيضاَ. لم نسمع عن خطوات مقابلة من مثقفين وناشطين أرمن، وما أكثر نخبهم في العالم، وهناك أسماء تركية مستقلة وصامتة ذات وزن وليست معارضة مثل الكثير من الأسماء الأرمنية في الداخل والخارج.
يستطيع #الفاتيكان برصيد البابا الحالي، الرصيد الذي لا سابق له لبابا بين أتباع الديانات المختلفة في العصور الحديثة، أن يدعوها إلى الحوار. في صيغة مؤتمر أو حوار أو لقاءات ؟؟؟

jihad.elzein@annahar.com.lb
Twitter: @ j_elzein

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard