مَن كان ليصدّق أنّ الشريرة ستفعل هذا بنا... وبالمشنوق؟

26 حزيران 2016 | 23:30

المصدر: "النهار"

ذوّاق وزير داخلية لبنان نهاد المشنوق، باختياره مسلسل يسرا من بين فوضى المسلسلات، وتغريده عبر "تويتر" إعجاباً بالسياق وبطلته. "فوق مستوى الشبهات" ("سي بي سي"، "دبي"، "الحياة") عودة لامعة ليسرا بعد خيارات تمثيلية مضطربة. رمضان هذه السنة، تفوّقٌ للدراما المصرية. ثمة مسلسلات، منها "فوق مستوى الشبهات" (كتابة عبدالله حسن وأمين جمال، وإخراج هاني خليفة)، لطَّفت تعب هذا الشهر، وأضافت إلى واجب المشاهدة بعض العذوبة. الجوّ خانق، ظلمةٌ نفسية مخيفة، وتوتّر على مدار الساعة، من غير أن تصنع هذه العناصر عملاً متباكياً يضيّق الأنفاس ويُرغمك فوراً على الهرب.

يسرا في المسلسل شخصية لا تدري أكانت ضحية أم مذنبة. هي الدكتورة رحمة، اسمٌ على غير مسمّى، قاسية، متقلّبة، مزاجية، تقتل وتسير ببرودة في جنائز ضحاياها. هنا يسرا في دور شرير محيّر. تسأل نفسك طوال الوقت: لماذا لا أحمل شعوراً بالكراهية تجاهها؟ وتجاه شرّها وأكاذيبها وتسبّبها بأوجاع الآخرين؟ يسرا على الحدّ بين الذنب والجريمة. وبين الرغبة في الاقتصاص منها والإحساس بالشفقة تجاهها. قتلُها أحد الأطباء النفسيين في بداية المسلسل، وضع الشخصية أمام مواجهة مصيرية مع ماضٍ مشوّه وتنصّل دائم من دفع الثمن. كانت في الثالثة عشرة حين بدأت تتحوّل شخصية مرفوضة تدفع باهظاً مقابل لعنات القدر، فكبرت لتنقضّ عليه قبل أن يغرز أسنانه في عنقها. هذا مبرر قسوة القلب ومواجهة الجميع بضمير ميت وأنوثة محطّمة.

تُخرِج رحمة ما في أعماق يسرا من استفزاز وتناقض وعواصف تهبّ لتقتلع من دون شفقة. يسرا في مرحلة تحدٍ لقدرة الممثلة فيها على المفاجأة. قلّة تملك مفتاح خلق الصدمة، ويسرا هذه السنة، من القلّة. شخصية مستعدّة للدوس على مَن يقف في وجه إعصارها. كلّ مَن حولها ملعونٌ بشرّها: زوجها السابق عزّ (سيد رجب) الذي تودي به إلى السجن، وحين يخرج، يسرّب إلى الصحافة حقيقة تزوير شهادة الدكتوراه التي تتباهى بها، وسرقتها أفكار الكتب المنشورة باسمها ومضامينها، انتقاماً من امرأة لم يستطع يوماً ترويضها. هذا المسلسل عن حتمية الاقتراب من النهاية. ماذا عن نهاية الجبروت والظلم والإكراه الذي يُفرَض على الضعفاء؟ ماذا عن نهاية الخديعة وسقوط القناع؟ الإحساس بالاقتراب من النهاية يرافق المُشاهد كظلال ثقيلة لا تنزل عن الأكتاف. في إطار البحث عن قاتل الطبيب النفسي، تولد في المسلسل خطوط مشبوهة عنوانها الخيانة والثأر والانتحار والفضيحة، وتُقدّم جميعها (يا للمفارقة) بسياق درامي مفاجئ يقوّض منطق الكليشيه في المسلسلات الرمضانية.

البطولة المطلقة ليسرا لا تجعل مَن حولها تابعين، أدوارهم هامشية، بل على العكس، الجميع مشكوك في أمره، متورّط، بريء في لحظة ومذنب في لحظات. محورية العمل جريمة قتل ترتكبها رحمة ليُتهم الآخرون بها، أجواؤه النفسية مشحونة بصراع الإدانة والتسامح. خيانة دنيا (نجلاء بدر) مع عمر (أحمد حاتم)، ثم انتحارها خوفاً من الفضيحة، يأتيان بالتزامن مع تمادي رحمة في تجاوزها الخطوط الحمر، وتحوّلها وسيلة تهديد ضدّ كلّ مَن يحاول حَبْس أنفاسها، وإن كانت إنجي (شيرين رضا) التي تدفع ثمن جريمة سواها، رغم تورّطها هي الأخرى بالخيانة والرفض والماضي والعقدة.

يطرح المسلسل إمكان أن ينام في داخل كلّ منا وحشٌ برأسين وعين لا ترى سوى الظلمة. ويسأل: هل من ضوء بعد النفق؟ هل الكوابيس وليدة الحاضر أم عقاب الماضي؟ هل سنعيش إلى الأبد بهاجس الشكّ والخوف من الخسارة؟ رحمة تسدّد ضرباتها انتقاماً من ضربات هشّمت طفولتها ولا تزال تؤلمها، كألم موت والدتها (أداء لافت لليلى عزّ العرب) وعذابات الضمير كونها تسبّبت بقهرها، مُحمّلة إياها ذنب ما تعانيه الابنة الظالمة، المكسورة، المستقوية على ضعفها، يُضاف إلى هشاشة ذاكرة الأم واضطراباتها وفجائية موتها قبل أن تتحقّق رغباتها.

تألّقت يسرا أمام رثاء الأم- الجثة. كأنّها بلحظة قتلت وحش الداخل ورفعت نخب المرأة الطيبة. وبلحظة رمت إلى النسيان دمها البارد وعلاقاتها بالذات المريضة، وتلفيقها الإصابة بالسرطان للتعتيم على أكاذيبها وصون سمعتها من الأقاويل والتهم، والبقاء دائماً فوق مستوى الشبهة. عادت رحمة صريحة أمام الجثّة، تلومها على الرحيل وترجوها البقاء قليلاً إلى جانبها. كطفل وُلد فجأة من رحم الجريمة، تقدّم يسرا إحدى أكثر اللحظات صدقاً في مسلسلات رمضان. "لا تسيبيني وأنا محتجاكِ أوي. سامحيني كنت بَخاف عليكِ". أحياناً، لا تهمّ النهاية، ولا نشاء بالضرورة عودة المياه إلى مجاريها. يعنينا أسلوب العمل وفرادة قدرته على معالجة إشكاليات مألوفة. يسرا منحت النصّ ثقلاً، رغم غرقه في أحيان بلحظات خيانة مملة. أداؤها هذه السنة يستحق جميل الكلمات. ترك حضوره فينا، وبالمشنوق كأيّ مُشاهد ذوّاق يتفرّج.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard