أسباب الخروج البريطاني لا تبرّر الانعزال

24 حزيران 2016 | 20:52

المصدر: "النهار"

(رويترز).

عندما ينظر البريطانيون شرقًا خلف المانش لا يرون في المقلب الآخر من اليابسة إلا المشكلات والمتاعب، فالقارة الأوروبية شهدت طوال عام 2015 سيلاً من الازمات: مشكلات مادية حادة في منطقة الأورو، واقتراب دول اعضاء من حدود الافلاس، وصول اعداد اللاجئين الى ارقام قياسية تهدّد الاستقرار، هجمات ارهابية بثّت الفزع والخوف بين السكان الآمنين، الامر الذي جعل وحدة القارة واتحادها في حال يرثى لها. ولأن معالجة أيٍّ من هذه المشكلات لم تبدو مجدية، كثُر الحديث عن معنى وجود الاتحاد الأوروبي. ويمكن البحث عن اول اطراف الخيط لمعرفة الاسباب التي دفعت بغالبية الناخبين البريطانيين الى الصويت بـ "لا" بقاء لبلادهم في اطار اللحمة الاقتصادية والسياسية مع الدول الواقعة خلف القنال.

فمنذ بداية التسعينات وحين انفرط عقد الاتحاد السوفياتي وانهيار المنظومة الاشتراكية في شرق أوروبا، عبّرت بريطانيا مرارا عن امتعاضها من انضمام الدول الناشئة إلى الاتحاد الأوروبي. ولأن بريطانيا ذات اقتصاد ونفوذ سياسي كبيرين، فكان يزعجها ان تتساوى مع الأعضاء الجدد في الاتحاد، لذا عارضت مرارًا منح العضوية لأيّ دولة جديدة، ووصفت الصحف البريطانية الاتحاد الأوروبي بأنه نادٍ بعضوية مفتوحة للجميع. وبما ان قانون الاتحاد الأوروبي ينص على حرية التنقل بين دول الاتحاد، زاد عدد سكان بريطانيا في العقد الأخير بنحو 10 ملايين مهاجر، وهؤلاء المهاجرون يكتسبون الجنسية بالاقامة والعمل او من خلال الزواج من البريطانيين والبريطانيات. وجاء معظم هؤلاء المهاجرين من اوروبا الشرقية فارغي الجيوب، وافادوا من الحركة الاقتصادية والتجارية النشطة فيها كما افادوا من وجود تجمعات للمهاجرين في مناطق معينة لهم مدارسهم وأسواقهم ويستطيعون أن يعيشوا برواتب منخفضة جدا وهذا يعني عمليا الافادة من البنية التحتية البريطانية والعلاج والتعليم المجاني بالمجان تقريبا. إلى ذلك، فإن الأعمال التجارية الصغيرة للمهاجرين وجدت بيئة استثمارية مناسبة وصارت تستورد المنتجات الرخيصة تاركة منتجات بريطانيا مما جعل التجارة البريطانية تواجه عجزًا حيث زادت واردتها على صادراتها، وإذا ما تركنا الصناعات الثقيلة كالأسلحة فإن بقية الصناعات قابلة للمنافسة الشديدة وتاليا خفض الأسعار بصرف النظر عن الجودة.

ويجمع معظم المحلّلين على ان الهجرة الأوروبية إلى بريطانيا هي من أهم أسباب الصراخ البريطاني في وجه أوروبا. وسعى رئيس الوزراء ديفيد كاميرون إلى تعديل القواعد المرتبطة بالهجرة، ولكنه كان يصطدم برفض بروكسيل، لأن بند حرية انتقال الأفراد في اتفاق شنغن يعد واحدًا من أهم بنود النادي الأوروبي، هذا فضلًا عن التذمّر البريطاني من العمالة الأوروبية.

وشكّل التذمّر من الرسوم الأوروبية سببًا رئيسيًّا آخر حيث ان الاتحاد الأوروبي يفرض رسومًا على الدول المنضمة إليه كل بحسب قوته الاقتصادية وتعافيه، لكن بريطانيا التي تعتمد سياسة تقشّف بسبب العجز في موازنتها أثقلت هذه الرسوم كاهل خزينتها التي يتعين عليها دفع 55 مليون جنيه إسترليني يوميا.

كما يرى بعض البريطانيين الذين صوّتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي أن نظام الاتحاد يفتقر إلى الديموقراطية المعمول بها في النظام البريطاني، ويدلّلون على ذلك بالصلاحيات الواسعة للمفوضية الأوروبية غير المنتخبة التى يحق لها وضع مشاريع قوانين على البرلمان الأوروبي المنتخب مباشرة من الشعوب الأوروبية.

وفى ظل التحديات الجيوسياسية التي تحيط بالاتحاد الأوروبي، تتداول المؤسسات الاوروبية في بروكسيل فكرة إنشاء قوة عسكرية اوروبية موحدة للتصدى لروسيا وغيرها، وهذا ما اعتبرته بريطانيا نوعا من التهديدات، فضلا عن استعادة وضع الكتلة في السياسة الخارجية على مستوى العالم، مع الأخذ في الاعتبار أن بريطانيا وفرنسا هما أكبر قوتين عسكريتن فى الكتلة وتاليا سيقع عليهما العبء الاكبر في تشكيل هذه القوة.

ويضاف الى ذلك الخوف البريطاني من سيطرة دول منطقة الاورو الـ 19على مجريات اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي، إذ يؤكّد الخبراء على أن الاتحاد النقدي الذي رفضت بريطانيا الدخول فيه، صار محور اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي، وصارت كل القرارات تتطلب تفاوضاً من أعضائه في البداية، ثم تعرض اتفاق الأعضاء في منطقة الاورو على دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة.

كذلك فان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يحرر الجسم القضائي من أحكام القيود القانونية، لا سيما المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، حيث تصبح أحكامها غير ملزمة للمحكمة العليا البريطانية. كما ترغب لندن في إعطاء البرلمانات الوطنية الحقّ في التجمّع معاً بهدف رفض أي تشريع يصدر على المستوى الأوروبي يتعارض مع مصالح الدول القومية.

وجاءت مشكلة تدفّق اللاجئين من الدول التي تواجه حروبا وصراعات، لا سيما في الشرق الاوسط وافريقيا الى القارة القديمة لتشكل عبئا جديدا على كاهل الحكومة البريطانية.

وفي اي حال، فبريطانيا لا تنسق نشاطاتها كثيرا مع أوروبا وهي تخوض الحروب وتدخل في التحالفات البعيدة عن أوروبا من دون تنسيق مع الاتحاد، كما أنها لم تعتمد الاورو في تعاملاتها أصلا وتمسكت بالجنيه الاسترليني، وإلى ذلك، فهناك حس الاستعلاء القومي الذي ربما يكون له دور في هذه النزعة الانفصالية عن بقية القوميات الأوروبية. كما ان قسمًا كبيرًا من البريطانيين يرون ان مصلحة بلادهم ليس مع دول الاتحاد بل مع دول الكومنولث، حيث تغرق أسواقها بمنتجاتها وتبيع أسلحتها لها وتنسق سياساتها معها، وهذه الدول متعاونة إلى حد كبير مع بريطانيا.

هذه المخاوف والاسباب على اهميتها ليست كافية للخروج من الاتحاد اذ كان يقابلها اسباب كثيرة للبقاء وتفادي وضع بريطانيا ومعها الحلم الاوروبي بالوحدة على خط الزلازال وحشرها في خانة التقوقع والانعزال. ولا شك في ان الحكومة البريطانية تتحمل الوزر الاكبر في ما آلت اليه الامور ذلك انها لم تتعلم من الدرس الاسكوتلندي عندما بعث الاسكوتلنديون في استفتاء الانسحاب من المملكة المتحدة في ايلول 2014، برسالة قوية اللهجة مفادها بأنه لا يمكنك أن تخيف الناخبين جميعاً لإكراههم على تبنّي مواقف سياسية معينة. فبدلا من ان تعمد الحملة الهادفة الى إبقاء بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي الى العمل الحثيث لإقناع الراغبين بالخروج لجأت الى عنصر التخويف، وهو أسلوب أدى إلى نتائج عكسية ظهرت في الاستفتاء التاريخي يوم الخميس 23 حزيران. وقد بدا المنظّرون لحملة البقاء، وكأنهم نظّار في مدرسة لا يعرفون سوى لغة التخويف والتهديد بدلا من عرض البيانات والإحصاءات التي يمكنها أن تقنع الناخبين بفضائل البقاء في عضوية الاتحاد وتفنيدها والعمل على إبراز الإيجابيات التي ينطوي عليها الاحتفاظ بالعضوية.

واليوم وبما ان الاسباب التي دفعت البريطانيين للخروج من اوروبا لن تجد الحلول السريعة ولأن القارة القديمة ستظل تشهد موجات من اللاجئيين وأزمات اقتصادية تتفاوت درجاتها وحدّتها ناهيك عن ظهور يمين متطرّف مناهض للمهاجرين الى اوروبا، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي سيكون له عواقب وخيمة على باقي الاتحاد وعلى بريطانيا نفسها بدءًا من إعادة طلب اسكوتلندا الاستفتاء لمطالبها بالاستقلال واقليم كتالونيا في اسبانيا ثم تتدحرج كرة الثالج لتكبر مع الايام المقبلة. لكن الاخطر ان السياقات المولدة للكراهية والعنصرية قد تؤسس لمرحلة فوز احزاب اليمين لتبدأ اوروبا مرحلة انظمة رافضة لاندماج المهاجرين مع ممارسات عملية عدائية ما قد يمهد لنشوء انظمة شمولية تختفي معها مكتسبات اوروبا من الديموقراطية والمجتمع المدني الامر الذي يؤسس لنزاعات عميقة لن تقف عند حدود القارة الاوروبية... وهكذا لن تكون القارة العجوز في سنواتها المقبلة افضل حالا ما لم تظهر سياسات وقيادات وحكومات تعيد الاعتبار لقيمة اوروبا الموحدة بمظاهرها العقلانية والليبرالية والديموقراطية ولمنظومتها الثقافية في المواطنة والحرية.

Amine.kamourieh@annahar.com.lb

Twiter:@amine_kam

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard