الزلزال البريطاني يضرب أوروبا... هذا ما سيحصل الآن

24 حزيران 2016 | 14:13

المصدر: "النهار"

بمعايير كثيرة يعتبر التصويت #البريطاني على الخروج من الاتحاد الاوروبي زلزالاً سياسياً. هزاته الارتدادية الداخلية كثيرة وتداعياته الخارجية أكثر. بريطانيا ومعها العالم ستحاول استيعاب الصدمة قبل البدء بتقدير حجم الخسائر التي يمكن أن تنجم من قرار كهذا.
وأبعد من الضحايا المباشرة، كالجنيه الذي فقد نحو 9 في المئة من قيمته ورئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي خسر منصبه، ثمة ضحايا أخرى كثيرة لهذه القفزة البريطانية في المجهول، بعضها داخلي ويتعلق بالبريطانيين وبعضها الآخر أوروبي. وناهيك عن تأثير الدومينو الذي قد يحدثه البركزيت في أوروبا، لن تكون قليلة أيضاً التداعيات التي ستتعدى حدود القارة القديمة.
الثابت أن نتيجة الاستفتاء شكلت نهاية مأسوية للحياة السياسية لديفيد كاميرون. فقد راهن وخسر. وفي كلمته إلى البريطانيين أعلن أنه سيستقيل من منصبه بحلول تشرين الأول المقبل، تاركاً لخلفه مهمة تحريك فترة السنتين للتفاوض على شروط خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي.
في المنطق، يبدو أن بوريس جونسون، رأس حربة حملة البركزيت سيخلف كاميرون. وثمة من يرشح وزير الخزانة جورج أوزبورن أو وزيرة الداخلية تيريزا ماي لهذا المنصب كونها نقطة التقاء بين فريقي الخروج والبقاء.
ولكن أيا كان النزيل الجديد ل"10 داونينغ ستريت"، سيكون لديه متسع من الوقت للتفاوض على العلاقة الجديدة مع أوروبا.

خياران
وبموجب المادة 50، تحدد شروط خروج بريطانيا بموجب اتفاق بين دول الاتحاد الأوروبي الـ 27، ولا تصوت عليه بريطانيا.
ويشمل هذا النوع من الاتفاقات خيارين في شأن طبيعة العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل، الأول هو أن تصبح بريطانيا مثل النروج، وهي عضو في المنطقة الاقتصادية الأوروبية (EEA)، وتساهم في موازنة الاتحاد الأوروبي وتسمح بحرية حركة الناس. والثاني هو أن تنسحب تماماً، وتكون أعمال التجارة مع الاتحاد الأوروبي في إطار قواعد منظمة التجارة العالمية، على غرار تلك القائمة مع الولايات المتحدة أو الصين أو أي دولة أخرى.
وهذا الخيار الثاني يلحق في رأي اقتصاديين ضرراً أكبر ببريطانيا.

هلع في الأسواق
ولكن قبل الوصول الى أحد هذين القرارين، وما يمكن أن ينجم عنهما، ثمة توقعات كبيرة بهلع مالي في الأسواق نتيجة الصدمة هي الأكبر من نوعها للمؤسسة السياسية في بريطانيا وأوروبا منذ عقود.
وبعد الانخفاض الحاد للجنيه، ثمة توقعات بالمزيد، وهو ما يهدد بانفجار التضخم مما يضطر "بنك انكلترا" الى رفع سعر الفائدة ودفع البلاد نحو الركود. وهذه الحال ستكلف البريطانيين ملايين الوظائف وخفض الرواتب وتلحق ضرراً بمستويات العيش لملايين البريطانيين.
ومن شأن انهيار الاسترليني أيضاَ أن يلحق أذى كبيراً بالمؤسسات المالية البريطانية التي تملك تريليوينات من الجنيه من الالتزامات. ولا شك في أن دور "بنك انكلترا" سيكون كبيراً لتحقيق الاستقرار في أسواق المال والعملات.

المصارف وصناعة السيارات
وعلى المديين الطويل والبعيد، سيكون مصير حيز كبير من الاقتصاد البريطاني على المحك، بما فيه المصارف وصناعة السياسيات والمزارعين. وسيكون مصير هؤلاء معلقاً على نحو كبير على نوع اتفاق التجارة الذي ستوقعه بريطانيا مع بقية دول الاتحاد الاوروبي في السنوات المقبلة.
ويبقى السؤال هل سيكون الاتحاد الاوروبي مستعداً لعقد اتفاق سريع مع بريطانيا بعد هذه الصفعة؟
فمع أن المصالح الاقتصادية للدول الاوروبية قد تدفعها إلى خطوة كهذه، وخصوصاً أنها تصدر بضائع وسلعاً كثيرة الى بريطانيا، فان مصلحتها السياسية المتمثلة بمنع دول أخرى من مغادرة الاتحاد الاوروبي، قد تدفعها في اتجاه معاكس.

ومن الطبيعي أن تعتمد التوقعات المتوسطة والبعيدة المدى على طبيعة الاجراءات التجارية التي سيقرها الزعماء البريطانيون مع العالم. وهنا يبدو السؤال بديهياً عما اذا كان الرئيس باراك أوباما جدياً عندما قال إن بريطانيا ستكون في آخر الصف عندما تتفاوض على اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم.
ففي غياب مثل هذه الاتفاقات، ستواجه الشركات البريطانية تعرفات مرتفعة عندما تصدر بضائعها وخدماتها، وهو ما يقلص أرباحها ويضطرها الى خفض الرواتب والاجور وأيضاً الغاء وظائف.
التداعيات المتنوعة والمختلفة كثيرة للقرار البريطاني، بدءا من ارتفاع تكاليف العطلات الصيفية للأوروبيين مروراً بوجوب استخدم تأشيرة المرور (إلا إذا استطاعت المملكة التوصل إلى التفاوض حول اتفاق يسمح لها بالبقاء في السوق الأوروبية المشتركة)، وصولاً إلى فرض إجازة العمل. وبما أنّ المعاملة بالمثل قد تطبق على الأرجح، سيكون الأوروبيون والبريطانيون بحاجة لتأشيرة المرور للعمل في أوروبا والمملكة.
أما الطلاب البريطانيون الذين تزداد أعداد المهاجرين منهم لتحصيل الدراسة في أوروبا، فسيكونون الأكثر تأثراً لأنه سيصعب عليهم التنقّل من دون الخضوع لمشروع إيراسموس. إلا إذا أمكن التوصّل إلى اتفاق كما هو الحال مع سويسرا والنروج – لكنّ الأمر سيستغرق وقتاً.

جواز السفر البريطاني

لا يعتمد البريطانيون العملة الاوروبية الموحدة "الاورو" ولا ينتمون الى فضاء شنغن، لذلك تشكل عبارتا الاتحاد الاوروبي المكتوبتين على جوازات سفرهم التذكير الأوضح لهم بأنهم يعيشون في الاتحاد الاوروبي. وبالطبع سيتغير هذا الوضع بعد البركزيت.

ومع أن الجوازات البريطانية صادرة عن الحكومة البريطانية، فان قرار مغادرة الاتحاد الاوروبي سيعني تغيرات كثيرة لا في شكل الجوازات فحسب، وإنما في قوتها أيضاً.
حتى الان ليس واضحاً ما سيحل بالجوازات على المدى القصير. من المفترض أن يتغير شكلها، إلا أن مكتب الهيئة الحكومية المخولة البحث في هذا الامر لم يعلق على سؤال عما ما اذا كان سيتعين على البريطانيين شراء جوازات جديدة.
وتقول صحيفة "الإندبندنت" أنه من المحتمل أن تبقى كل الجوازات صالحة إلى أن يحين موعد تجديدها، وعندها تصدر جوزات بتصميم جديد.
ولكن الجواز البريطاني يكتسب قوته من التدابير المتفق عليها مع الاتحاد الاوروبي، وخصوصاً من خلال حرية التنقل التي تعني أن الناس لا يحتاجون الى تأشيرة للتنقل.

ويحمل البعض جوازات سفر بريطانية هي ليست أوروبية، ويعيش هؤلاء الأشخاص في أماكن تجعلهم مواطنين بريطانيين، ولكن ليس جزءا من الاتحاد الأوروبي.
ومن المحتمل أن يحتفظ الجميع بجوازاتهم القديمة سنتين على الأقل، في الوقت الذي يكون فيه الاتحاد الاوروبي وبريطانيا يعملان على اجراءات انفصالهما.

أياً تكن التداعيات، ثمة اجماع بين الخبراء أن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي سيلحق ضرراً بالاقتصاد على المدى البعيد، ولكن السؤال يبقى عن حجم هذا الضرر الذي بات رهناً في شكل كبير بقرارات الزعماء الأوروبيين وسلوك المستثمرين والشركات الأجانب حيال فترة عدم اليقين الذي ستشهدها البلاد.

monalisa.freiha@annahar.com.lb
twitter: @monalisaf

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard