رسالة إلى والد مات في الحرب

18 حزيران 2013 | 10:41

الحرب (الصورة عن الانترنت)

كلّفتني إحدى صديقاتي أن أكتب عنها هذه الرسالة إلى والدها الغائب، لمناسبة عيد الأب، وذكرى مقتله على يد قنّاص في الحرب:

"أحمل القلم وأنظر إلى الورقة البيضاء أمامي. أريد أن أكتب لكَ، يا أبي، وأن أكتب عنكَ، لكني لا أعرف من أين أبدأ.
منذ حوالى خمسة وثلاثين عاماً، اغتصبت رصاصةُ قنّاصٍ حياتكَ وأخذتكَ قسراً، بعيداً عنّا. وما لبثت والدتي أن لحقتْ بك.
بقينا، خمسة أطفال، كبيرنا في الثانية عشرة، وحدنا في مهبّ الحياة وقسوتها.
وربينا.
كيف؟ لا أعرف. ربما لأنكما كنتما، من هناك، تسهران علينا!
أَتذكّرُني طفلةً راكعة على الأرض أحضنكَ بيديَّ الصغيرتين، وأنتَ تنظر إلينا بعينين مليئتين حبّاً وأملاً. وأتذكركَ تقول: هل أعيش وأراكم تكبرون وتنجحون في حياتكم؟
أتذكر ضحكتكَ وحبّكَ للحياة ومرحكَ، وكم كان أصدقاؤكَ كثراً، يا أبي، وكم كانت أمّي تنهمك بتحضير الطعام لكل أولئك "الأصدقاء"، الذين لم يطرق أحدٌ منهم باب بيتنا بعدما رحلتَ، فغرقنا في الفراغ الموجع الأليم.
أذكر كم كان أولاد الحي، في قريتنا، ينتظرون قدومكَ كل أسبوع، فكنتَ توزّع عليهم القروش وكانوا يرقصون ويقفزون حولك وينادونك "بابا".
أذكر كرمك، وأنت لم تكن تملك المال، بل كنتَ تَهِبُ كل ما هو لكَ لمن هم حولكَ.
أذكر قبلتكَ الحنونة على جبين أمّي، لتعتذر إليها وتطمئنها يوم عدتَ بعد غياب أسابيع، وكنتَ عالقاً في بيروت الحرب ولم نكن نعرف عنكَ شيئاً.
أذكر خصوصاً يوم فُجِعنا عندما أعادوكَ إلينا محمّلاً.
أذكر بكاء القرية، أهلها، بساتينها، طيورها، بيوتها، جدرانها. من لم يبكِ غيابكَ المفجع يومذاك؟!
منذ ذلك اليوم، هربت مني كلمة "بابا". كنتُ كما سمعتُها على لسان، خفق قلبي وظننتُ أنكَ واقفٌ في الباب.
بقينا وحدنا بعد رحيلكما، أنتَ وأمّي...
عرفنا قسوة الحياة، نظرة الشفقة، الحرمان، الضيق، والبؤس أحياناً.
عرفنا الألم والوحدة و... الإستغلال حتى من المقرّبين.
لكننا كنا محصّنين. لقد علّمتَنا ألاّ ننحني أمام أيٍّ كان، وألاّ ننكسر أمام أيِّ شدّة. وعلّمتَنا أن نفرح بعطية الحياة وأن نكون صادقين رغم كل شيء.
هكذا كبرنا وعرفنا كيف نقهر الصعاب بوحدتنا. كلما قست علينا الدنيا تضاعف حبنا، بعضنا للبعض الآخر. وكلما استبد بنا القهر اشتدّت لُحمتنا.
اليوم تستطيع أن تفخر بأبنائكَ وبناتكَ حيثما أنت، وأمي. لقد كبرنا وواجهنا ونجحنا وحافظنا على إرثك: إرث الصدق والمحبة.
اليوم، لكَ أحفاد جميلون، تبعث ضحكاتهم في أرجاء البيت حياةً وفرحاً.
فكن فخوراً يا أغلى الناس. ولا تنس أن تغمرنا وأمي دائماً برضاكما".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard