أوروبا على أعصابها والغرب يحبس أنفاسه...بركزيت أم لا؟

22 حزيران 2016 | 21:00

المصدر: "النهار"

سواء بقيت بريطانيا في الاتحاد الأوروبي أم خرجت منه، ثمة انطباع بأن بريطانيا لن تكون هي نفسها بعد اليوم، موعد الاستفتاء على ما بات يعرف ب"بريكزيت"، فماذا سيتغير؟.
حتى الان كان الجنيه الاسترليني الأكثر تفاعلاً مع الحملة التي سبقت الاستفتاء. فقد أمضى الأشهر الاخيرة متأرجحاً هبوطاً عندما تظهر الاستطلاعات تقدم مؤيدي الخروج من أوروبا وارتفاعاً عند حصول العكس. وفي الحصيلة خسر 6 في المئة من قيمته مقابل الدولار هذه السنة. من هذا المنطق، يتوقع أن يكون أول وأكثر المتفاعلين مع النتيجة أياً تكن.
عموماً، تخشى أسواق المال حول العالم يوم "جمعة أسود" في حال فوز مؤيدي الخروج من أوروبا، إلا أن ثمة آخرين ينتظرون أياماً سوداً أو رمادية في أفضل الأحوال، وفقاً لاتجاهات الاستفتاء.
حي المال والاعمال "سيتي" سيفقد كثيراً من صخبه، والتوقعات مرتفعة عن امكان نقل الاف الوظائف منه الى مركزي فرانكفورت وباريس الماليين.
إلا أن معسكر مؤيدي الخروج يحاولون تبديد الهواجس، مطمئنين الى ان عالم الاعمال سيتأقلم بسرعة مع الاقتصاد البريطاني المرن والحيوي والذي سيدعمه اختيار شركاء اقتصاديين جدد وهجرة انتقائية.
أنطوني مانسل، البريطاني الوحيد في مقهى كوستا قرب الحي المالي، يخشى من أن يفقد زملاءه، البلغار والاسبان والايطاليين والبرتغاليين، إذا صوت مواطنوه على الخروج اليوم.وليس قلق هذا الشاب البريطاني تفصيلاً صغيراً، في بلد يعتمد فيه قطاع الخدمات بقوة على مهاجرين. فبريطانيا تستخدم نحو 2,2 مليوني عامل من دول أوروبية أخرى. ويعمل هؤلاء في المقاهي وقيادة شاحنات والبناء والفنادق والمطاعم. ومع تراجع البطالة الى نسبة 5 في المئة، وهي الدنيا منذ 2005، يخشى رجال الاعمال من أن يواجهوا نقصاً في العمالة إذا صوتت بريطانيا على الخروج من أوروبا وانهاء حرية التنقل للعمال.
تحول التصويت على "البركزيت" بمثابة على الهجرة. ومن شأن الموافقة عليه أن يزيد الضغوط على الحكومة من أجل فرض قيود صارمة على الوافدين الجدد.
وسيواجه القسط الاكبر من هذه الضغوط رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي راهن على صدقيته عند دعوته الى الاستفتاء. فنزيل "10 داونينغ ستريت" الذي كان يعتبر أكبر المشككين بأوروبا منذ رئيسة الوزراء الراحلة مارغريت تاتشر، شن حملة عنيفة للبقاء في الاتحاد الاوروبي. ومن هذا المنطلق، فان أي رفض لدعوته سيضطره الى الاستقالة، وهو ما قد يؤدي لاحقاً الى الدعوة الى انتخابات عامة جديدة.
ومع كاميرون، تبدو رئيسة وزراء اسكوتلندا نيكولا ستورجون المتمسكة بالبقاء في الاتحاد، في المركب نفسه. وهي لن تتوانى عن تنظيم استفتاء جديد حول الاستقلال عن المملكة المتحدة، لتنشق اسكوتلندا هذه المرة، عن بلد اختار الخروج من البناء الاوروبي.
والى الشمال قليلاً، ينذر الخروج البريطاني بإعادة ترسيم حدود جديدة تعزل إيرلندا الشمالية عن جارتها جمهورية ايرلندا العضو في الاتحاد، مما يضعف الحركة التجارية بين طرفي الحدود.
ويذهب رئيسا الوزراء البريطانيين السابقين جون ميجور وطوني بلير أبعد، محذرين من أن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي قد يهدد عملية السلام في ايرلندا الشمالية.

امن بريطانيا ودورها في العالم
طوال الحملة، استقطب الاقتصاد والتجارة والهجرة بالحيز الاهم من النقاشات، لكن كاميرون أضاف إليها عنصراً هاماً عندما أكد أن عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي تجعل البلاد أكثر أمناً. وذهب أبعد عندما حذر أخيراً من أن البركزيت قد يزيد خطر النزاع، ومذكراً بأنه في كل مرة أدارت بريطانيا ظهرها لأوروبا عادت وندمت على ذلك.
مدى 25 سنة، طور الاتحاد الأوروبي سياسة أمنية وخارجية مشتركة شملت الرد على الطموحات الايرانية لامتلاك قدرات عسكرية نووية والعقوبات على روسيا.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي خروج بريطانيا الى اضعاف دورها في العالم. ويثير البعض مسألة عضويتها في مجلس الأمن علماً أن لندن يمكن أن تستخدم الفيتو ضد أي قرار لتغيير الوضع الراهن.
وفي المقابل، ثمة من يجادل بأن كلفة الخروج من منظور الأمن الوطني مخفوضة، إلا أن وزيرة الداخلية تيريزا ماي تؤكد أن عضوية الاتحاد الاوروبي جعلت بريطانيا أكثر أمناً، مشيرة الى مذكرة التوقيف الأوروبية والقدرة على الوصول الى قواعد المعلومات.
الغرب
وفي ظل الدور السياسي المتزايد نسبياً للاتحاد الاوروبي في إطار المنظومة الامنية والدفاعية للغرب، قد يكون لخروج بريطانيا تبعات جيوسياسية أكبر بما فيها اضعاف الغرب، لا أوروبا وحدها.
ويمكن أن يكون كاميرون قد بالغ بالحديث عن خطر نزاع عسكري في أوروبا، ولكن المؤيدين للخروج هم خصوم للغرب عموماً. ولذلك، دعا مسؤولون سابقون في الاطلسي ووزارة الدفاع الاميركية "البنتاغون" لندن الى البقاء في أوروبا.
ومن جهتهم، يرفض مؤيدو البركزيت هذه النظريات، معتبرين أن حلف شمال الاطلسي يضطلع بدور أكثر أهمية في شؤون الدفاع والسياسة، وأن الاتحاد الاوروبي يمكن أن يضعفه. أما بالنسبة الى المعلومات الاستخباراتية، فحجتهم أن المرجع الأهم هو "العيون الخمس" التي تربط بريطانيا وأميركا وكندا وأوستراليا. ولا يوفر هؤلاء أزمة المهاجرين للتذرع بأنها ضربت الامن البريطاني.
ماذا بعد الطلاق المحتمل؟
لا سابقة حتى الان يمكن الرجوع اليها في شأن الاثار المحتملة لخروج دولة من أوروبا. وفي أي حال، إذا حصل الطلاق، يفترض أن تباشر بريطانيا مفاوضات معقدة مع الاتحاد الاوروبي تستمر سنتين كحد اقصى، ستتقرر بموجبها شروط الوصول الى السوق الاوروبية المشتركة.
وليس متوقعاً أن تكون هذه المفاوضات سهلة، إذ حذر رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر من أن "المملكة المتحدة ستكون دولة ثالثة لن نراعيها".
وقال المدير العام لمنظمة التجارة العالمية روبرتو ازيفيدو ان العملية يمكن ان تستغرق عشر سنوات، وان "بريطانيا ستحتاج الى الوقت قبل ان تستعيد موقعا مشابها لوضعها الحالي" نظراً الى موقفها الضعيف في المفاوضات في مواجهة 27 دولة.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard