الصحافيون السوريون في تركيا... العمل على حافة الموت

14 حزيران 2016 | 14:23

المصدر: "النهار"

فروا من بطش النظام السوري. غادروا بلادهم قسراً وأرادوا البقاء إلى جوارها، ولم ينجرفوا لاهثين مثل سواهم خلف الحلم الأوروبي الذي تحول كابوساً. اختاروا أن يكونوا صوت شعب مقهور، في الداخل والشتات، فتحدوا الإرهاب المزدوج، إرهاب الحاكم الذي يقتل شعبه وإرهاب تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش).
هم ناشطون، مواطنون صحافيون، سوريون في تركيا. هؤلاء يمارسون نشاطاً يفضح الانتهاكات في سوريا، ويتطلب هامشاً من الحرية والتحرك في بلد مضيف يضيق بصحافييه أنفسهم فيزج بالمعارضين منهم خلف القضبان، فكيف بمن كان يمارس هذه المهنة المشاغِبة من دون إطار تنظيمي تركي.
لا شيء يحول دون التوقيف والاعتقال لذرائع تتعلق بالإقامة أو أي إجراء إداري شكلي، وقد اعتُقل بالفعل عدد من الصحافيين السوريين في تركيا، وبينهم من شارك في اجتماع مع رجب طيب أردوغان في كانون الثاني.
في قصر يلدز في اسطنبول استقبل الرئيس التركي 18 صحافياً وناشطاً إعلامياً سورياً لمعالجة المشاكل التي تواجه عملهم وحراكهم. وهم طالبوا بتخفيف القيود على التنقل من تركيا وإليها ومنحهم تراخيص تسهل أداء مهماتهم، لا سعياً إلى سبق أو إثارة، بل لنقل معاناة السوريين، نازحين ولاجئين وعالقين في الداخل.
وأثاروا مسألة الأخطار التي تحف عملهم والتي تصل إلى حد التصفية الجسدية، مطالبين بتسريع التحقيق في اغتيال زميلهم ناجي الجرف. وربما كان طرح مسألة الاغتيالات من المحظورات، إذ احتُجز في الأشهر التالية للاجتماع أربعة على الأقل من المشاركين فيه، وأُبقوا قيد الاعتقال أياماً طويلة من دون تبرير قانوني واضح.
وبعد احتجاز عبدالسلام حاج بكري المعروف بـ"عمر أبو خليل" في غازي عنتاب، أصدر "المركز السوري للحريات الصحفية" بياناً ندد فيها بالاغتيالات في تركيا وعمليات الحجز والضرب المبرح على أيدي حرس الحدود التركي ورجال الأمن في المطارات والتضييق إلى حد الترحيل. ومن الأمثلة توقيف الصحافية خلود وليد في مطار اسطنبول فجر 15 آذار بعد استلامها جائزة "آنا بوليتكوفسكايا" في لندن بذريعة انتهاء صلاحية إقامتها، وقد أعيدت إلى بريطانيا قبل السماح لها بالعودة المشروطة إلى تركيا.
أما الاغتيالات، فحدث ولا حرج. من أين نبدأ؟ من إبرهيم عبدالقادر (22 سنة) أم من ناجي الجرف (38 سنة)، والجامع بينهما حب سوريا وعداء النظام و"الدولة الإسلامية" ونقل الصوت السوري المخنوق في إطار حملة "الرقة تُذبح بصمت" الفائزة بجائزة حرية الصحافة لعام 2015 من "اللجنة الدولية لحماية الصحافيين".
بعد شهر على ذلك التقدير، وعلى مقربة من منزله في مدينة أورفا بجنوب تركيا، طُعن إبرهيم حتى الموت وقُطع رأسه. ومن سوء حظ صديقه الناشط الصحافي فارس حمادي أنه كان برفقته فقضى معه. القاتل شخص قدم من الرقة إلى تركيا، زاعماً الفرار من قبضة "الدولة الإسلامية". تقرب منه وصادقه. وثقت الضحية بالقاتل، فكلاهما من الرقة، وكان ابرهيم يظن أنه يمد يد العون لسوري مثله في ضيق، فإذا به يغدر به ليوجه رسالة واضحة من "داعش" الذي تبنى الجريمة بعد يومين، الموت مصير لمن يعارضه من "الكفار" ولو كان خارج الحدود السورية. ممنوع أن يشاهد العالم صور الإعدامات الجماعية واضطهاد النساء واستعباد الإيزيديات وكل مظاهر الظلم في الرقة التي عاد إليها القاتل يسرح فيها حراً طليقاً من دون أن يعترضه أحد في تركيا. لم يُضرب على الحدود أو يُهان، فهو إرهابي، والتضييق يقتصر على الناشطين المعارضين!
بعد الجريمة، نقلت "الأسوشيتد برس" عن تيم رمضان من "الرقة تُذبح بصمت" قوله إنه "من اليوم الأول أدركنا أن "داعش" لن يتركنا بحالنا، وأن الخطر حقيقي وداهم، غير أن التراجع عن عملنا خيار غير وارد مهما تكن التهديدات والتضحيات". وقال ناشط آخر إن التنظيم المتشدد يقدم 50 ألف دولار ثمناً لرأس أي من الفاعلين في الحملة.
مسدس كاتم للصوت أنهى حياة ناجي الجرف، ابن السليمة بريف حماة الشرقي، عشية مغادرته تركيا إلى فرنسا لاجئاً شرعياً. هو أيضاً فضح جرائم "داعش" في الرقة وحلب.
احتضنت غازي عنتاب جثمان المخرج الوثائقي الذي كان رثى نفسه قبل نحو شهر من مقتله كاتباً في صفحته بفايسبوك:"لوقت قصير كنت أحلم بقبر صغير يغمرني على تلة لطيفة بقرية اسمها فريتان شرق مدينتي بالقرب من قبر جدي... حتى هذا الحلم أمسى بطراً وترفاً".
وسجلت "الدولة الإسلامية" هدفاً ثميناً بإسكات مدرب الكثير من الناشطين الإعلاميين ومخرج "داعش في حلب" الذي كان حقق خلال يومين من عرضه نحو 12 مليون مشاهدة على "يوتيوب".
وفي 10 نيسان أردت رصاصات "داعش" الصحافي محمد زاهر الشرقاط في غازي عنتاب، لأنه "يقدم برامج معادية للدولة الإسلامية في العراق والشام"، وفق بيان التبني.
وبالأمس نجا أحمد عبدالقادر بأعجوبة من مصير شقيقه ابرهيم، لكنه لا يزال يصارع الموت بعد إصابته بجروح خطيرة في الرأس. وكان تلقى تهديدات عدة عبر "فايسبوك" وتطبيق "الواتس أب" بأنه مراقب وموته قريب، بعضها من قاتل شقيقه، وهذه المحاولة الثانية لاغتياله في ثلاثة أشهر. وهو قال لـ"الأسوشيتد برس" بعد مصرع ابرهيم إن هذه الخسارة الفادحة "لن توقف عملنا، سنواصل حتى نعود إلى بلدنا، إلى الرقة، حين تنتهي "داعش""، لكنه شكا من الغياب الكلي لأشكال الحماية واكتفاء المنظمات الدولية المعنية بالصحافيين بإحصاء حوادث القتل والخطف.
وبينما تنشغل السلطات التركية بالحملة الأمنية على الأكراد في جنوب شرق البلاد والتصدي لمسلسل التفجيرات المتنقلة بين مدنها ومعالمها السياحية، صارت أراضيها مكاناً لا يقل خطورة للصحافيين السوريين عن وطنهم نفسه. هؤلاء أيضاً يُذبحون ويُقتلون بسهولة مريبة حتى لا يبقى صوت حر في وجه الاستبداد والظلامية في سوريا.
[email protected]
twitter :@SawssanAbouZahr

 

 

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard