المسبّة بوقتها صلاة

14 حزيران 2016 | 13:00


هي الظاهرةُ الصادمة التي تجتاحُنا من حيثُ لا ندري وقد اغتَصَبَت شرعيّتها لكثرة ما اعتدناها. فها هي في مطلعِ كلامِ كلُّ ابنِ آدم، من الثانيةِ حتّى الثانيةِ بعدَ المئة، وكأنّها صارت هي الحضارة، وهي تعبيرُ شعبِنا عن ذاته. لا أدري من أينَ جاءَتنا فوضى السُباب هذه بالتحديد، لكنّها باتت مُنذرة بخللٍ نفسيٍّ عام يستدعي التَفكيرَ العميق. فكيفَ لنا السكوتَ عَن مُجتمعٍ، أعلنَ براءةَ الشتيمةِ كلَّ ما احتاج إليها قائلًا : "المسبّة بوقتها صلاة".
فتَحَت بعضُ الأغنياتِ الغربيّةِ الحديثة بكلماتِها بابَ السماحِ لتجريدِ الكلمةِ من قيمتها، كما أسهمَ الإعلامُ الساخرُ في السنواتِ الأخيرةِ بتطويعِ الآذانِ لتتآلفَ مع المستوى الكلاميّ المتدنّي. فصارت الكلمةُ البذيئة عاديّةً يقبلُها المُجتمع ويتبنّاها، فلا ينزعجُ من سماعها، وكأنّ معيار التمييز فيه قد فُقد. فلا نجدنَّ من يمنع الأولاد من التلفّظ بالسُباب، بل من يصفّق لهم ويُفاخر بهم، كونه أورثهم ثقافَتَهُ المنحطّة.
القتل بالكلمات
أعتقدُ أنَّ بعضَ الكلماتِ، في كلِّ اللغّات، وإن أشارَتْ إلى معنى إيجابيّ محدَّد، أو إلى أمرٍ طبيعيّ، يُحمّلُها المجتمعُ معنى غالبًا ما يكونُ سلبيًّا، لتصيرَ أداةَ إهانةٍ وشتمٍ. فليست المُشكلة بالكلمةِ في ذاتها، بل بالمعنى الذي نُحمِّلُها، وبالرغبةِ القلبيّةِ بإهانةِ الآخرين. وفي عظةِ يسوعَ على جبلِ التطويبات أعلنَ صراحةً أنّ من قالَ لأخيهِ يا جاهل، كانت خطيئته كالقتل، واستوجَبَ نارَ جهنّم (متّى 5، 21-22).
الإناءُ ينضحُ بما فيه
أمّا سببُ اعتيادِ الألسنةِ على التلفّظِ بالسبابِ بكلِّ راحةِ ضميرٍ فهو لأنَّ الإناءَ ينضحُ بما فيه. فإذا انتميتَ إلى بيئةٍ كثُرَت فيها الشتائم، أصبحتُ بدوري أنا شتّاما، لأنّ عقلي يخزِّنُ الكلامَ البذيء، ويُفرغُ مخزونه عند أوّل فورة غضبٍ. أمّا العقلُ النظيف، الذي اختزن كلامَ البركة، فلا يُمكنُهُ إلّا أن يبارك. فصونُ اللسان يكونُ أوّلًا بتحصينِ الأذن. فلا نخجلنَّ من منعِ الناسِ بالتلفّظ بالشائنات، وإن كان بهدفِ المُزاح، حفاظًا على طهارةِ الأذنِ والقلب، فارضينَ حولنَا هالةَ احترامٍ لا تُمكِّنُ أحدًا من اختراقها.
وحدها الصلاة في وقتها صلاة
وفي الختامِ، ومن أجلِ تحسينِ المستوى الكلاميّ العام، تقعُ المسؤوليّةُ على عاتِقِنا جميعًا. على المؤسّسات الإعلاميّة أن تعيَ دورَهَا في تأليفِ المجتمعِ وتطويرِهِ فكرًا وتعبيرًا. كما على المؤسّساتِ التربويّة العملَ بجديّة على صَقلِ المستوى الكلاميّ بين الطلّاب. وللأهلِ الدور الفاعلِ في توعيّةِ أولادهم وتقديمِ المَثَلِ الصالح أمامهم. لكنَّ التغييرَ يبدأُ مِن أسفلِ الهرمِ، فلنبدأ في أنفُسنا. فليتَك يا قارئي العزيز، تُحاولُ أن تحوِّل ما فيكَ من كلام، أو أن تحوِّلَ البيئة من حولك.
"المسبّة بوقتها صلاة". طبعًا لا، فلا وقتَ لها أبدًا. في كلّ وقتٍ مقيتةٌ هي. وحدها الصلاة في وقتها صلاة، فامتلء منها لتصيرَ كلماتُك كلُّها صلاة.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard