مرض "أخطر من السرطان" يتهدّد حياة رشيد، فهل من ينقذه؟

9 حزيران 2016 | 10:57

المصدر: "النهار"

ما أدراك عن أوجاع الحياة وأشكالها! كأن تستيقظ كلّ يوم فاقداً توازن روحك وجسدك. أن لا تعود المياه تروي عطشك ولا الخبز يسدّ جوعك نتيجة مرارة الواقع وظلمه. أن تتخبّط بأفكارك ليلاً. أن ينخر الألم جسمك وأن تتحسّر على حالك بعينين دامعتين. لا حول ولا قوّة لك. قسوة الحياة أن تقف عاجزاً وترى فلذة كبدك يتلاشى أمامك وأنت عاجز عن إنقاذه.
رشيد شمروخ ضحيّة أخرى وقعت في شباك المجتمع الفاسد. ابن الثامنة عشرة اليوم ضحية العوز القسري، ومصيره بين أيديكم. روح رشيد اليوم معلّقة بين السماء والأرض. مرض شرس يفتك بجسده جعله يترك نشاطاته وعلمه، ليلازم السرير في مستشفى طرابلس الحكومي. رشيد يعاني من الـ aplastic anemia، مرض نادر جداً "أخطر من السرطان" بحسب تعبير طبيبه. هو الآن في مفترق طرق: الوفاة الفورية أو الخضوع لزراعة نخاع عظمي في مستشفى المقاصد، تبلغ تكلفتها 70 ألف دولار.


من مقاعد الدراسة إلى سرير الموت


كان لرشيد شمروخ حياة طبيعية كغيره من الشبّان: لم يتوانَ يوماً عن ممارسة رياضته المفضلة كرة القدم، وهو كان يجتهد على مقاعد دراسته لتقديم الشهادة الرسمية هذا العام. في حديث لـ "النهار"، يتحدّث رشيد شمروخ عن مراحل حياته وصولاً إلى إصابته بالمرض الذي أعاق كلّ نشاطاته. "كانت حياتي طبيعية، مليء بالحيوية والنشاط، ألعب كرة القدم مع أصدقائي وأرتاد المقاهي وأذهب إلى البحر. ولكنّي، ومنذ نحو شهرين تحديداً، بدأت أبسط الأمور ترهقني، كصعود السلالم مثلاً. اعتقدت أولاً أنّ تعبي الشديد ناجم عن الدراسة إلى حين ظهور بقع زرقاء في كل أنحاء جسمي. أخبرت حينها والدي الذي اصطحبني لإجراء الفحوص اللازمة. بدلاً من أن أمكث الآن في المنزل أستعد للامتحانات الرسمية، أنا أسير المستشفى. حرمت من حلم حياتي ألا وهو الحصول على الشهادة من فرع المعلوماتية، فأنا تلميذ مهنية زغرتا".
يؤيد والد المريض حسين شمروخ حديث ابنه قائلاً لـ "النهار": "كان يشعر رشيد في الفترة الأخيرة بالتعب الشديد. بداية كان يشتكي من قلّة حيله وصعود السلالم. كان يلهث كثيراً ووجهه دائم الاصفرار... اعتقدنا أنّ ذلك يعود لممارسته كرة القدم. ولكن سرعان ما انتشرت في جسمه بعض الحبيبات التي تحوّلت إلى بقع زرقاء انتشرت في ذراعيه وفخذيه ورجليه ورقبته. أجرينا له الفحوص اللازمة فتبيّن أنّ كمية الدم في جمسه متدنيّة جداً. اعتقدنا حينها أنه مصاب بالسرطان. فزودناه بالبلاكيتات وتوجهنا إلى مركز "سان جود" حيث أجروا المزيد من الفحوص وأخذوا خزعة من النخاع العظمي للتأكد مما يعانيه. مرّت الأيام، فاكتشفنا أنه لا يعاني من السرطان إنما من فقر الدم اللاتنسجي aplastic anemia وأنّ وضعه يتطلّب إجراء عملية زرع نخاع عظمي تبلغ تكلفتها نحو 70 ألف دولار. توجهنا إلى الطبيب المختص في مستشفى المقاصد الدكتور أحمد إبرهيم. أكّد هذا الأخير على صحة الفحوص وطلب إجراء مزيد منها لأخواته من أجل معرفة من يتطابق معه، وفحصين آخرين لرشيد. سألني إن كنت مضموناً فأجبته بكلا وعرفنا أن وزارة الصحة لا تعترف بهذه العملية". يتحدّث الوالد بأسى عن حال ابنه الذي يذرف الدموع يومياً عليه. يفتقده ووالدته عند الإفطار في رمضان، ويشكو من التعب والجهد اللذين يبذلهما في البحث عن الدم له كلّ اسبوع.


ما هو فقر الدم اللاتنسجي؟


تنقل رشيد من طبيب إلى آخر خلال الشهرين الماضيين لإنقاذه من هذا المرض الذي يمكن أن يودي بحياته بين لحظة وأخرى. للاستعلام عن حالته الطبية والتعرّف إلى هذا المرض، تحدّثت "النهار" إلى الدكتور حسن خضر اختصاصي أمراض الدم والطبيب المشرف على رشيد الذي أوضح: "تمّ تشخيص حالة رشيد منذ نحو الشهرين، وهو يعاني من الـ aplastic anemia وهو تعطيل كامل لعمل مصنع الدم. رشيد اليوم معزول في مستشفى طرابلس الحكومي، لقد أدخل الطوارئ لمدة يومين وهو الآن مستقرّ في غرفة عادية حيث يأخذ ثلاثة أنواع من الأدوية المضادة للالتهابات. كان رشيد يعاني من الاصفرار والنزيف وظهور بقع زرقاء على جسمه فضلاً عن التعب الشديد".
يشرح خضر أنّ الـ aplastic anemia "مرض مفاجئ ليس لظهوره سبب معيّن وهو نادر، إذ يشكل نحو 5% من أمراض الدم. في حالات معيّنة، يمكن أن ينجم هذا المرض عن فيروسات من ضمنها فيروس الـ hepatitis c والـ hepatitis b أي التهاب الكبد وغيرها، ولكن هذه الحالات تكون قليلة. وبعدما أجريت جميع الفحوص من دون معرفة الأسباب، تبيّن أنّ رشيد يعاني من فقر الدم اللاتنسجي. وهو عبارة عن انخفاض في كل خلايا الدم من كريات حمر، فيصاب المريض بأنيميا شديدة. اليوم يتلقى رشيد كلّ خمسة أيام صفيحات دم لأنّ مصنع الدم الذي ينتج خلايا الدم معطّل نهائياً، ليس لديه كريات حمر ولا بيض، وهي تلك التي تدافع عن الجسم من الالتهابات. وصفيحات الدم التي من شأنها إيقاف أيّ نزيف دم ليست موجودة أيضاً، مما يفسر سبب معاناته النزيف. وضعف الدم الشديد هذا يؤدي إلى دوار وضيق نفس قوي بسبب انخفاض الأوكسيجين لديه، وانخفاض الكريات البيض الذي يؤدي إلى ضعف مناعة شديدة. من الممكن معالجة هذا المرض عبر الأدوية ولكن تكلفتها باهظة جداً ونسبة الشفاء منها ضئيلة أيضاً. لذا، تعتير عملية زرع النخاع العظمي هي الأنسب، وهي تحصل في مركزين هما مستشفى المقاصد ومستشفى الجامعة الأميركية. نسة الشفاء مرتفعة بعد الزرع إذ من الممكن أن تصل إلى نحو 90%، أما تكلفتها فتصل إلى 70 ألف دولار على أقل تقدير. لقد اتخذنا كلّ الإجراءات اللازمة وقد وجدنا متبرّعاً يتطابق معه وهي أخته. الخطورة لدى ضحايا هذا المرض تكمن في وفاتهم السريعة بسبب ضعف المناعة الناجم عن الالتهابات الجرثومية، "فهذا المرض أسوأ من السرطان".


المعضلة تكمن في عدم إمكان وزارة الصحة تغطية كلفة هذه العملية، التي تغطي علاج السرطان. فهل يكون مصير المرضى الفقراء الموت أمام أبواب المستشفيات إن لم يتوافر لديهم المال لتسديد أقساط العلاج؟ دولتنا لا ترحم. أين يتوجه هؤلاء إن كانت غالبية الجمعيات الخيرية تسلب المال من المواطنين لجيوبها وتترك المحتاجين من دون عونٍ؟ لمن يشكو هؤلاء إن كان المسؤولون غافلين عنهم؟
لمن يحب المساعدة الرجاء الاتصال بالرقم: 279581 70

yara.arja@annahar.com.lb

twitter: @yara_arja

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard