جازى الله "باب الحارة" على كلّ هذا السوس!

8 حزيران 2016 | 23:28

المصدر: "النهار"

نشكر المحطات لكتابة اسم المسلسل على الشاشة، وإلا آه من الضياع. تكثر مسلسلات البيئة الشامية، فابدأ العَدّ: "باب الحارة 8"، "خاتون"، "عطر الشام"، "طوق البنات 3"، وما يفيض حدّ الاختناق. ولولا أنّ الشاشات تتكرّم بالإشارة إلى اسم المسلسل، لاختلط "عطر الشام" بـ"طوق البنات" وخَبَط المُشاهد يده على رأسه ولَعَن ساعة قرر التفرُّغ للمسلسلات. لم يلحظ المنتجون أنّ أعمال البيئة الشامية ضربها ملل صاعق. جازى الله صنّاع "باب الحارة" على السوسة التلفزيونية التي راحت تتكاثر. المسلسل اليوم في جزئه الثامن يُقدّم انحداراً غير مسبوق. لا ضرورة هنا للتروّي وانتظار المقبل من الحلقات. واضحٌ ومثير للشفقة كيف أنّ مسلسلاً يستعد لكلّ شيء من أجل الحلول ضيفاً ثقيلاً غير مرحّب به في #رمضان. سيقولون الآن أنّه لا يزال يُشاهَد. وأنّ في حارة الضبع ما يشكّل حالات جدلية تُنتَظر. تفككَ المسلسل وتهاوى ولا روح فيه. ولولا عباس النوري في دور أبو عصام لاستحق الرشق بالبطاطا.

 

ليس موضوعنا نعي المسلسل في ذاته. سنقيم له جنازة الموتى لاحقاً. موضوعنا أنّ كثراً أُصيبوا بعقدة "باب الحارة" (تأليف سليمان عبدالعزيز وإخراج ناجي طعمة- "أل بي سي آي"، "أم بي سي") وقرّروا تقديم نماذج مُسنتسخة تدّعي أنّها اكتشفت البارود. "خاتون" (تأليف طلال مارديني وسيف حامد وإخراج تامر اسحق- "أم تي في") من هذه الفئة. ومثله "عطر الشام" (كتابة مروان قاووق وإخراج محمد زهير رجب- "أل بي سي آي") وأعمال أخرى. عبر هذه النماذج الثلاثة، سنقارب إشكالية مسلسلات البيئة الشامية بعدما استُهلكت واهترأت ولم يبقَ منها سوى التكرار والضجر.

 

 شكّل "باب الحارة" حالة، وانتهى الأمر بلا رجعة. من أجل إنعاشه، زُجّت فيه شعارات وعظية و"ارتفع"، كما يروّجون، صوت المرأة. إننا هنا في دائرة رهيبة من المفردات البالية والاجترار. ارحمونا من مسلسلات العسكر الفرنساوي وزعيم الحارة والداية المُستنسخة عن "إم زكي" (هدى الشعراوي). ومن كلّ الولاءات الذكورية ومعزوفة "يبعتلي حمّى" و"تقبرني ابن عمي" وما لم يعد يُطاق منذ زمن.

 

 أتى "خاتون" بعباءة المسلسل المتحرّر من كلّ هذا. أتى لكسر النمط، فارتطم به لمجرّد أنّه يكرّس النهج نفسه، واللغة والسلوك والمفردات. لم يظهر بعد تميّزه (علينا أن ننتظر، ندرك هذا)، ولا صوته من خارج سرب الحارة وعقدتها. هو كالآخرين، لأنّ السؤال لم يتغيّر: "مين قوّص عَالفرنساوي؟ شغلة بتحط الأعل (العقل) بالكفّ". والمقاربة لم تتغيّر: "الفرنساويي فايتين عَالحارة، جهزوا الرجال!". لم يتغيّر شيء حتى المؤامرة وكيد النساء والضرّة وهمّ إنجاب الذكر. تتكرر الوجوه في كلّ الحارات. كأنّ الممثل إن لم يَدُر على كلّها، ستنتقص قيمته وسيلاقي كثيراً من العتب. وسيشعر أنّه لم يؤدِ واجب المهنة بأمانة وتفوّق. صباح الجزائري في "باب الحارة" وفي "عطر الشام"، ولحِّق على أسماء في الهنا والهناك والهنالك. وفي كلّ مَشهد ثمة ما يُذكّر بمشهد من مسلسل آخر. الجوّ الواحد قاتل. المسلسل الأصل، أي "باب الحارة" مكانه برّاد الموتى. كيف بنسخه؟ بالشبه الصادر عنه وإن طُعّم بقصّة حب "جاذبة". وإن احتوى وجوهاً محبوبة في غير أعمال، وفي أدوارها هنا بالكاد تبدو مقنعة. المسألة أنّ البيئة الشامية استُنفدت حتى النفس الأخير. وحُلبَت حتى آخر قطرة. دعونا من خرافة أنّها تُقدّم بجوّ جديد وقالب مُستحدث. جفّ الإبداع وما يجفّ لا يُعوَّض. لا بالجميلات ولا بالإعلانات الضخمة ولا بادّعاء الخروج عن السائد. فليثبت "خاتون" أو سواه العكس، ولنا عودة.

fatima.abdallah@annahar.com.lb


Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard