منى الدزدار ... ابنة القدس وزيرة في فيينا

4 حزيران 2016 | 11:50

المصدر: النهار

وقت كانت النمسا على وشك اختيار يميني متطرف رئيساً لها قبل سقوط هذا الخيار بهامش ضئيل، دخلت منى الدزدار الحكومة بصفة وزيرة دولة للشؤون الإدارية والخدمة المدنية لدى المستشارية، شابة مسلمة أنجبها مهاجران مقدسيان.

إنها قصة نجاح جديدة في أرض الفرص أوروبا، خصوصاً ان ابنة فضل الدزدار تتحدر من الوطن الضائع، فلسطين، وهي بذلك الوزيرة الفلسطينية الأصل الأولى في أوروبا. وبينما يزداد ضيق كثير من الأوروبيين بالمهاجرين الذين يركبون قوارب الموت، يتناسى هؤلاء أن في بلدانهم الكثير من قصص الاندماج والتأقلم لأبناء مهاجرين كانوا لا يقلون فقراً عن أولئك القادمين الجدد.
بعد رشيدة داتي ونجاة بلقاسم في فرنسا، والبارونة وارسي وساجد جاويد وصادق خان في بريطانيا، وخديجة عريب وأحمد أبوطالب في هولندا، مهاجرة أخرى تحقق سابقة في المشهد السياسي الأوروبي.

والدزدار التي تجيد الألمانية والعربية والفرنسية والانكليزية، محامية متخصصة في القانون الدولي ودرست تشريعات البلدان العربية. وُلدت في فيينا في 22 آب 1978. انخرطت بسن السادسة عشرة في شبيبة الحزب الاشتراكي الديموقراطي المعروف بدعمه للقضية الفلسطينية منذ أيام زعيمه التاريخي برونو كرايسكي. هناك، على ما تروي، "لم يكن يهمهم من أين أتى أبي وأمي، كنت في نظرهم منى فحسب". وسرعان ما أسست جمعية الصداقة الفلسطينية-النمسوية كأداة للاندماج في الوطن البديل من دون الانسلاخ عن رحم الأرض الأم الرازحة تحت الاحتلال الاسرائيلي والمساهمة في بناء جسور من الثقة والحوار بين النمسويين والمهاجرين الفلسطينيين. ثم انخرطت بجدية وعزم في العمل الحزبي وتدربت في البرلمان الأوروبي في بروكسيل وعملت في مكتب أحد نوابه، ثم صارت النائبة الأولى من أصول فلسطينية في 28 كانون الثاني 2010.

لم تأخذ الدزدار عن والدتها التي لم تعمل يوماً التزامها الديني، وهذا طبعاً شأن شخصي. لكنه يُخرج من حيزه الخاص إلى العام لمجرد كونها مسلمة، إذ يسأل بعض الأوروبيين عن ذلك الجانب من باب التوجس والقلق، ويتابعه بعض العرب لإطلاق النظريات الخشبية عن ضياع الهوية في بلاد الغرب.
ففي مقابلة لها مع صحيفة "ستاندرد" بعيد دخولها الحكومة، كان السؤال الأول عن كونها المسلمة الأولى في حكومة نمسوية، فأجابت بأن جذورها الدينية ليست العامل الوحيد للتعريف عنها. وأكدت أن كثرة التطرق إلى هذا الشأن لا تزعجها، وإن كان يجب تجاوز الأمر، لأن نجاحها يعكس تنوع المجتمع النمسوي والتعددية فيه. وأشارت إلى سجلها في العمل لتعزيز "العيش المشترك"، تعبير نستخدمه كثيراً في لبنان لكنه يسقط عند أي أزمة سياسية أو مباراة رياضية، بينما يبدو أكثر رسوخاً في البلدان الأوروبية التي تقبل مهاجرين مختلفين. ولا شك أن الدزدار صاحبة كفاية، لكنها تدين للمكان الذي وُلدت فيه وأعطاها فرصاً متساوية في التعليم والعمل. تخيلوا حياتها لو ضاعت أيامها هدراً وانتظاراً على أبواب وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم "الأونروا" في مخيم فلسطيني في لبنان على سبيل المثال. ولم يكن حالها ليكون أفضل لو وُلدت لاجئة في مخيم الدهيشة أو بقي والداها في مدينتهما القدس.
وفي نظر الدزدار، وبحسب تجربتها، "التعليم ثم التعليم ثم التعليم" هو الأداة الأولى للاندماج. يبدأ باكتساب اللغة الألمانية وارتياد المدارس للصغار والبرامج الخاصة للكبار، وهي لا تنكر أنها تعذبت بداية قبل اتقانها، إذ كان والدها يصر على أن يخاطبها في المنزل بالعربية محدثاً إياها عن وطنها المحتل، في حين صارت لاحقاً تتكلم مع أشقائها الخمسة بالألمانية، مستنبطة معادلتها الخاصة في التعايش مع لغتي الجذور والمستقبل. وقد أكدت لـ"ستاندرد" أن معظم المهاجرين لديهم "مصلحة قوية في الاندماج"، تحقيقاً لمصالح أبنائهم في المقام الأول ولتفادي إجراءات عقابية لمن يثبت تقاعسهم عمداً عن مسار الدمج.

وهي تؤيد فتح سوق العمل أمام اللاجئين من ذوي الاختصاصات والكفايات، إذ ترى أن من حقهم الحصول على فرصة لإثبات مؤهلاتهم، فهم ليسوا جميعاً متشردين أو مهاجرين لأسباب اقتصادية كما يصفهم اليمين الأوروبي. وأشارت إلى أن نقابة أطباء الأسنان في فيينا بدأت التعامل مع 70 طبيباً سورياً كانوا يمارسون المهنة في بلادهم قبل أن تقذف بهم الحرب المجنونة إلى التغريبة الأوروبية.

وفي المقابلة سئلت الدزدار عن دورها المستمر في جمعية الصداقة الفلسطينة-النمسوية، وهي لا تزال رئيستها، والأبعاد السياسية لذلك، فردت بذكاء بأن "السياسية الخارجية ليست مسؤوليتي، وإن تكن من اهتماماتي الشخصي". سئلت تالياً عن علاقتها بالمجاهدة ليلى خالد وشكوك اليهود النمسويين حيالها. فأجابت تؤكد معرفتها بخالد التي وصفها السائل بـ"الإرهابية"، مذكرة بعملها في الهيئات الشبابية في الاشتراكية الدولية وجمعها فلسطينيين واسرائيليين في جلسات حوار، معتبرة ان المواقف اليهودية والاسرائيلية تجاهها متجنية. وأضافت :"فلسطين ليست قضية دينية، ففيها عدد كبير جداً من المسيحيين، والمسيح نفسه كان من الناصرة".

والدزدار التي تشارك في نشاطات تحيي ذكرى النكبة عام 1948، تفهم جيداً الحساسيات النمسوية التاريخية، فهي تدرك أن جرائم النازية التي بدأت في هذا البلد، "لا تسمح لفيينا أن تكون في موقع معاداة الدولة الاسرائيلية، لكنها يمكن أن تذهب إلى رفض السياسات الاسرائيلية"، على ما قالت مرة لصحافي فلسطيني.
منى فضل الدزدار لا تزال فلسطينية، تنتمي إلى وطن-حلم لم تعرفه يوماً، وفي الوقت نفسه نمسوية تنتمي إلى وطن-حلم ثان منحها الحقوق المتساوية من دون أن تنسى القضية الأولى.

[email protected]
twitter : @SawssanAbouZahr

 

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard