قبلة لك أيها الغريق الصغير المجهول...

31 نوار 2016 | 14:59

المصدر: "النهار"

إنه آيلان آخر. طفل جديد لفظه البحر جثة، صورة يتطلع إليها العالم بأسى، ثم ينسى، وربما يتجاهلها بلامبالاة ويمضي مواصلاً اليوميات التافهة. حكاية إضافية تبتلعها المياه في طريق الفرار من المجهول إلى مصير أكثر بؤساً.
700 شخص قضوا قبل أيام غرقاً في البحر الأبيض المتوسط في محاولات لبلوغ إيطاليا من صبراتة الليبية، في أسبوع هو الأكثر مأسوية من حيث الحصيلة المروعة منذ نيسان 2015، ذلك أن عدد المفقودين بالمئات، وسبل نجاتهم شبه معدومة.
أُنقذ عشرات وقدموا روايات مؤلمة عن مصارعة الموت في ثلاثة قوارب، بينها قاربَي صيد اكتظ كل منهما بأكثر من 500 شخص. رُبط واحد بالآخر، وذلك وفق فيديريكو روسي، الناطق باسم وكالة الأمم المتحدة للاجئين، مؤشر إلى بلوغ جشع المهربين مستويات لا سابق لها ولا يفوقها إلا يأس المهاجرين المحشورين في قارب بلا محرك مربوط بحبل واه بقارب آخر لا يصلح أصلاً إلا لنقل بضعة صيادين، فكيف بمئات البشر.
بعد أيام من التردد، قررت "سي ووتش"، وهي منظمة غير حكومية ألمانية، نشر صورة الرضيع الغريق الاثنين، لا سعياً وراء سبق صحافي زائف، بل لتسليط الضوء على معاناة لا تنتهي ولا تُحل باتفاق مصالح لا إنساني مع تركيا التي تستغله إلى أقصى حد. وجاء في بيان أصدرته بالإنكليزية ورافق إرسال الصورة إلى كبريات الصحف ووكالات الأنباء :"إذا كنا (في الغرب) لا نريد رؤية هذه الصور، علينا أن نتوقف عن إنتاجها"، في إشارة إلى السياسات الأوروبية التي صارت تجد في قصص الموت الرهيبة للاجئين وسيلة لردع آخرين عن الحذو حذوهم.
"سي ووتش" قامت بعدما قرر أربعة أزواج من بارنيم في براندينبورغ الألمانية التحرك لمساعدة المهاجرين، خصوصاً الصغار منهم، بأي وسيلة متاحة، والذهاب إليهم في عرض البحر في محاولة لإنقاذ أرواحهم، وانتشالهم من المياه وإنعاشهم والتعاون مع السلطات البحرية في المياه الإقليمة والدولية، والعمل لنقلهم إلى البر حيث يمكن أن يطلبوا اللجوء ويجدوا مأوى متواضعاً، أو يُعادون من حيث أتوا. والمتطوعون فيها لا يشجعون الهجرة، بل يحاولون التصدي لعصابات الاتجار بالبشر، من خلال الضغط لإقناع الحكومات الأوروبية بأن السبيل الوحيد لوقف عودة الرق في عصرنا هذا من باب تهريب المهاجرين لا يكمن في صد الأبواب ورفع الجدران والأسلكة الشائكة ومحاصرة البشر في أقفاص كالحيوانات، بل في فتح ممرات آمنة للعبور القانوني لهم قبل أي شيء آخر.
مارتن متطوع مع المنظمة، أب يعشق أولاده الثلاثة ويعمل في العلاج بالموسيقى. كان في مهمة مع "سي ووتش" حين حمل بين ذراعية رضيعاً انتُشل من المياه مع 25 ضحية أخرى بين ليبيا وإيطاليا. وكان في القارب 126 شخصاً أُنقذوا على أطراف الحياة قبل ساعات، في حين تمكنت البحرية الإيطالية من إسعاف 135 آخرين من شفير الموت.
"بدا لي حياً"، على ما روى لوكالة "رويترز". شاهده طافياً على المياه كـ"لعبة صغيرة هشة ممدودة الذراعين". وبعدما انتشله برفق وغمره، "لفحَت الشمس عينيه الودودتين، لكنهما كانتا ثابتتين لا تتحركان... بدأتُ بالغناء. دندتُ نغمات له كما لو كان حياً، غنيتُ لأواسي نفسي في هذه اللحظة المحطِمة للفؤاد. فقبل ست ساعات فقط، كان هذا الطفل حياً".
هذا الصغير شبه العاري الذي لا يتجاوز السنة من العمر الغض، رقم جديد يضاف إلى أكثر من ثمانية آلاف شخص ابتلعتهم أمواج البحر المتوسط في نحو سنة. صار جثة إضافية مجهولة في عهدة البحرية الإيطالية التي اضطر عناصرها أمام العدد الكبير للغرقى لاستخدام شبكة عملاقة لانتشال الجثث والأشياء القليلة التي نقلها البشر معهم في رحلة الموت هذه.
كأن البشر أسماك نافقة، وفي الجوار دلافين تقفز بمرح مع الأمواج، كما روت جيورجيا ليناردي من "سي ووتش"، واصفة المشهد بأنه صادم ومروع وعبثي. أما هذا الطفل النائم بوداعة، فلا نعرف اسمه ومن أهله ومصيرهم، هل سيبكيه أحد غير مارتن الذي حمله متهدجاً. لا نعلم إن كان الرجل والمرأة الغريقين المتعانقين والده ووالدته، وهل قدما من سوريا أو العراق أو أريتريا أو ليبيا نفسها. أرادا نقله إلى حياة أفضل فانتهت الحياة نفسها بقسوة في مقبرة البحر الأبيض المتوسط...
[email protected]
twitter :@SawssanAbouZahr

 

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard