حين صارت والدتي عدوّتي

29 نوار 2016 | 14:10

المصدر: "النهار"

رافقتني رواية كاميلو خوسيه ثيلا "أسرة باسكوال دوارتي" على متن الطائرة التي حملتني من مدريد إلى فرانكفورت، قبل سنوات عدة. كنتُ اشتريت نسخة مصفرّة الأوراق من أحد أكشاك الكتب الموّقتة في غرناطةِ لوركا، كشك قصير الأمد، لم يعِش في مكانه لأكثر من أيام قليلة، على نقيض أدب ثيلا الذي سيستمر طويلاً.

لفّت غلاف الطبعة القديمة قماشة بلون أبيض مغبرّ غُرز خنجر في صدرها، ليضرجها بالدمّ. والحال ان تلك الإستهلالية التصويرية أفصحت عن مناخ النص، عن بيئة تلك القطعة النثرية التي رصدت ماضياً إسبانياً إنزلق في حقبة معينة نحو الغطرسة والظلاميّة، كما هي حال بلدان كثيرة إستسهلت البطش بأحلام شعوبها فأبادتها كأنها حشرات سامّة.

صدرت رواية ثيلا في سنوات الفرنكوية الأولى وتعرّضت للمنع لأنها وصفت الحقيقة العارية بعدما تابعت ومن طريق واقعية مسنّنة رجلا أزهقت الحتميّة الإجتماعية حياته، وأوصلته إلى الجريمة. جعل ثيلا الرجل ينصرف، وبدءا من زنزانته حيث ينتظر إعدامه، إلى سرد حكايته المجبولة بالبؤس والألم، قبل أن يرصد مآل التقهقر الذي يضطر المرء بنتيجته إلى أن يزحف كالحيّة وأن يصدر أصواتا خافتة حين يحرّك أنفه وعنقه كالجرذ، على ما يكتب ثيلا في أسلوب قارص.

في مئوية ولادة ثيلا لا يمكن سوى استعادة جدارية روائيّة عاداها النظام السياسي على خلفية وصفها رجلا تحدّر من النبذ "رجلا افتقر إلى الضمير" وفق المقاربة الرسمية، كأن في الكلام تورية آثرت التغاضي عن دور هذا النسق من البنى السياسية المستبدّة تحديدا، في تبديل طبائع البشر بل وفي صناعة نماذج لا تمتّ إلى البشر. في 2016، لا مفرّ من استبقاء نص مهّد - ومن بين مؤلّفات أخرى - الطريق أمام كاتبه إلى "نوبل" الآداب ونقّب في الحتميّة الإجتماعية والوطنيّة التي تجعل مستحيلاً على الأسرة والقانون والله حتى، إنقاذ الفرد من براثن السوداويّة ومن بلاد غير آبهة به.

حاول ثيلا في النثر، ما حاوله غيره في الشعر. أراد أن يستعيد الخطّ الأدبي الأساسي وأن يشدّ الوصال مع بيئة الداخل البشري. في تلك الإيماءة السرديّة لا بدّ انه تجاوز الحرب وما بعدها ناهيك بالديكتاتورية وما قبلها وما بعدها. وإذا كانت مئويّة ثيلا تعيدنا على نحو عفوي صوب النص الأول والأهم ربما في رصيد ثيلا، فإن كتاب إبنه في شأنه يردّنا أيضا إلى المرحلة المرافقة لصدور هذه الرواية. في المؤلف الصادر أخيرا في اسبانيا وبالقشتالية يستطيع كاميلو خوسيه ثيلا الإبن أن يأخذ مسافة من الصلة التي جمعته بوالده في حين يركز على إرادته في الانتصار على لحظات الوهن والقلق التي عاشها، لاسيما في ما يعني موهبته والتي لم يبدّدها تماما تكريس روايته "أسرة باسكوال دوارتي"، في 1942.
ليس من الهيّن أن يفوز الكاتب بنصّ يستطيع في برودته الأسلوبيّة وفي وسط تآكل المشاعر أن يرسم حياة امرىء لم يخترها وورطته في مصير مستعجل. المناخ مثقل ولا يشبه قرية إسبانية في ثلاثينات القرن المنصرم فحسب. يشكّل السرد ها هنا اللبنة الأولى في تيار الفظاعة الأدبيّ الذي لاءمه إسمه تماما، تيار إسباني "وحشّي" حيث أمّ لا تبكي وفاة ابنها وحيث إبن يكفّ عن الشعور بالحنان إزاءها. يكتب ثيلا متسللاً إلى فكر الإبن "فَكَّرتُ طويلا... في اللحظة حين صارَت والدتي عدوّتي. عدوّة شرسة، ذلك ان الحقد الأسوأ هو الحقد بين أولئك الذين يجمَعُهم دمّ واحد".
راق لثيلا أن يبتعد عن السرد المزخرف. أراد لنصه أن يتخطّاه فهجس بالمعيش.
كتَب عن عاديّة أن يُستبدل الحبّ بالكراهيّة، وعن سهولة أن نَمقت أولئك الذين يشبهوننا.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard