عام على غياب غسان تويني... جنّاز برئاسة عودة في حضور رسمي

9 حزيران 2013 | 12:32

ترأس مطران بيروت للروم الارثوذكس الياس عودة، جنازاً في ذكرى مرور سنة على غياب عميد "النهار" غسان تويني، حضره نائب رئيس الحكومة سمير مقبل ممثلاً رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، والنائب عبد اللطيف الزين ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومحمد المشنوق ممثلاً الرئيس المكلف تمام سلام، والرئيس حسين الحسيني، والوزراء وليد الداعوق، نقولا نحاس، ونقولا صحناوي، والسفير البابوي وعدد من النواب والمطارنة وحشد من المؤمنين. 

وجاء في كلمة المطران عودة:

"نجتمع في هذا اليوم المبارك للصلاة من أجل راحة نفس غسان الذي نلتقيه في كل ذبيحة إلهية، مع الأحبة الذين فارقونا، نسبِّحُ اللهَ معاً، نحن نصلّي من أجل أن يحتضنهم في ملكوته، وهم يتشفعون من أجلنا كي ينتشلَنا الربُّ الإله من الجحيم الأرضي الذي نرزَحُ فيه.

في الليلةِ الليلاء يُفتَقَدُ البدرُ. وغسان نفتَقِدُهُ في هذه الأوقات العصيبة. غسان ذو الذهنِ المتوقدِ والفكرِ الحرِ والقلمِ الجريء هل كان لِيَسكُت عمّا نعيشُه اليومَ ونُعاني منه. غسان عاشقُ الحرية والمُدافعُ الأولُ عنها، الحاملُ لواءَ الديمقراطية التي اعتبرَ أنَّها «تُعطي مناعةً لا تجِدُها الدولُ في الإستبداد»، غسان المتمرِّدُ الدائمُ على الواقع الإجتماعي المتردّي وعلى الفساد السياسي والطغيان والظلم والعنف والجهل والتخلُّف والمتاجرة بالوطن والأخلاق، هل كان ليقبَل العيشَ صامتاً في ظلِّ التدهور السياسي والإنحطاط الأخلاقي والتراجع الحضاري وانحسار الديموقراطية؟

نفتقدُك يا غسان تمتشقُ قلمَكَ وتُعرِّي مَنْ تَجِبُ تعريَتُهم، وتدلُّ بالإصبعِ على الجرح، على أصل البلى، مُعلناً الحقيقةَ ولو على حسابِ حياتك والحريَّة، شرطَ أن تصونَ حياةَ لبنان الذي أصبح في غيابك ساحةً وملعباً وسوقاً يُتاجَر فيها بالقيم والأخلاق.

لا تَسَلْ عن الحرية التي كنتَ تتغنى بها، وعن الديموقراطية التي كنتَ تؤمِنُ بها وتعيشُها وتكتبُها، وعن الحوار الذي ما تخلّيتَ عنه يوماً، وعن الأخلاق السامية التي مارستَها مع إيمانك العميق بالله، وجعلتَها ديدناً لحياتك ولقلمك، وعن العدالةِ التي صبوتَ إليها طيلةَ حياتك، وعن الحق الذي كنتَ تبحث عنه لتعلنَه، وعن السيادة التي استبسلتَ في الدفاع عنها، وعن القِيَم التي بشَّرتَ بها، وعن لبنانِك الحبيب الذي أعطيتَه من أيامِكَ وحبرِكَ وطاقتِكَ ورؤيتِكَ كما لم يعطِه أحد. هذا اللبنان الذي أحببتَه أصبحَ لبنانات، كلُّ فريقٍ يراه على شاكلته، ويحاولُ تشكيلَهُ بحسب رؤيتِه، ويتاجر به بما يتناسبُ مع مصلحته، ويستعملُه من أجلِ حساباته. لبنانُكَ، لبنانُنا الكبيرُ رغم صِغَر حجمه، الواحدُ، الموحَّدُ، السيّدُ، الحرُّ، المستقلُّ، الديمقراطي، المتوهجُ عِلْماً وإبداعاً وحضارةً ورُقِّياً، هذا اللبنانُ يذوي تحت وطأة الإنقساماتِ والتطرُّفِ والطائفيةِ والعمالةِ والمصلحةِ والحساباتِ الصغيرة. أما المواطنُ الذي جهدتَ وثابرتَ من أجلِ فتحِ عينيهِ وعقلهِ على الحقيقة فإمَّا صامتٌ غيرُ قادر أو لا مبالٍ، وإمّا منجرٌ بلا وعيٍ وراء المصالح والزعامات.

أين كتاباتُك تُلهِمُ الحكَّامَ والمواطنين؟ أين ثورتُكَ يا غسان على الجهلِ والإنقيادِ الأعمى وراء الزعماء؟ أين صرخَتُكَ ضد تسطيح الشعوب؟ أين شَغَفُكَ بالتاريخِ وأحداثِهِ من أجل استخلاصِ العِبَرِ منه واستقراءِ الأمثولات؟ لسوءِ حظنا أنّنا شعبٌ لا يُحسِنُ قراءةَ التاريخِ واستخلاصِ العِبَرِ من حربٍ دامت سنين وخلَّفتْ وراءَها الدمارَ والفقرَ والقنوطَ والسواد.

ما زلنا يا غسان «بيتاً بلا سقفٍ» كما عنونتَ إفتتاحيةً لك في العام 1968. ما زلنا لا نعرِفُ طريقةً من أجلِ «إحلالِ القلبِ في العقلِ» وإيقاظِ الضميرِ «قبلَ أن يدهمَنا اليأس»، وقد يكونُ على الأبواب.

اليوم، نحن بحاجةٍ إلى صرخَتِكَ «أتركوا شعبي يعيش» لأن شعبَكَ يموتُ كلَّ يومٍ أكثرَ من ميتة.

كنتَ تحلمُ بارتقاءٍ إنسانيٍّ مستمرّ وها نحن نعيشُ انحطاطاً ما بعده انحطاط.

لكأني بك تصرخ من عليائك، بلسان الشاعر نزار قباني:
إن يمُتْ لبنانُ .. مِتُّمْ معهُ
كلُّ من يقتُلُه .. كان القتيلا ..
كلُّ قُبْحٍ فيهِ، قُبْحٌ فيكُمُ
فأعيدوهُ .. كما كان جميلاً ..
إنَّ كوناً ليس لبنانُ به
سوف يبقى عَدَماً أو مستحيلاً ..
كلُّ ما يطلُبُه لبنانُ منكم
أن تُحبُّوهُ .. تُحبُّوه قليلاً ..

ينتابُني اليومَ شعوران متناقضان: ليتك كنت هنا لتُدلي بدلوك الحكيم من أجلِ دفعِ اللبنانيين إلى دفنِ الحقدِ والثأرِ والإبتعادِ عن كلِّ ما يفرّقُهم من أجل الوصولِ إلى السلامِ فيما بينهم، والذودِ عن وحدةِ بلادهم وكرامةِ جيشهم الذي ما زال يُغدَرُ به ويُستَشْهَد، وهو رمزُ الوطن وحامي المواطن. وهنيئاً لك حيثُ أنت، حيث لا وجعَ ولا حزنَ ولا تنهُّد، لا تدمعُ عيناكَ على وطنِكَ الكبير ينهشُه الصغارُ ويحاولون ابتلاعه، ولا يدمي قلبُك الكبير على إرثٍ ديموقراطيٍّ يضيعُ ولا مَن يحاسِب.

عزاؤنا أنَّك تنعَمُ حيث أنت بدِفءِ المحبَّة، محبَّةِ اللهِ الواسعة ومحبَّةِ العائلة التي طالما افتقدتَها وافتقدَتْكَ، وتنعَمُ بالراحةِ الأبديَّةِ التي نصبو إليها نحن الذينَ تقضُّ مضاجعَنا كلَّ يومٍ أرتالُ الهموم، وتنعمُ بالحريةِ المطلقةِ فيما تقيِّدُنا أغلالٌ كثيرةٌ على هذه الأرض وفي هذا الزمن الرديء.

وأملنا أن تبقى ذكراك نبراساً لمن يعتبر، وكتاباتُك نوراً تضيء وحشةَ العقول وتروي جفافَ القلوب". 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard