حين كان يلعب وقع الانفجار وتغيّرت حياته الى الأبد: "لا مساواة ولا عدالة"

26 نوار 2016 | 17:38

المصدر: "النهار"

يقدَر العدد الإجمالي للأشخاص المعوقين في لبنان بنحو 74 الفاً، ومن بين هؤلاء ما يفوق الخمسة آلاف ممن أصيبوا جرَاء الحرب. وغالباً ما يكون المصابون من المدنيين الذين حمَلوا وزر التقاتل الأهلي من دون أي ذنب، والمصيبة الأكبر حين يكون المصابون من الأطفال. فالمجتمع الذي يتخلى عن مسؤولياته حيال شريحة واسعة هو مجتمع يفتقد أدنى معايير الإنسانية والأخلاق، ووصمة العار تكبر على جبين المجتمع الذي يتأخر عن المحافظة على كرامة هؤلاء وتأمين حقوقهم بتساوٍ كسائر المواطنين.

إصابة حرب
محمد المقداد، 35 سنة، مسؤول عن السوشيال ميديا في موقع إخباري، تعرض حين كان يلعب أمام منزله لإصابة حرب نتيجة انفجار قذيفة ما أدى إلى بتر يده اليمنى كلها في سنّ التاسعة. يؤكد محمد بأن صموده في الحياة ونجاحه في العلم والعمل كان نتيجة دعم أهله له كي يتخطى مرحلة العذاب التي استمرت حتى بلوغه الخامسة عشرة حيث تكيَف وتأقلم مع حالته المستجدة. ويعتبر بأن زعماء الحرب هم المسؤولون مباشرة عن إصابته في زمن الحرب لكنهم تخلوا عن واجباتهم بعد وصولهم إلى الكراسي وتولي المناصب السياسية في زمن السلم.
ويشرح محمد كيف رفض أهله تسجيله في مدرسة لذوي الحاجات الخاصة وقررَوا إبقاءه في مدرسته والعمل على دمجه بشكل طبيعي، مضيفاً أن للإرادة أهمية أساسية للنجاح في الحياة، فحين فتح محمد "عينيه بعد الإصابة طلب قلماً وورقة كي يكتب" وهكذا لم يتخلى عن طموحه في التحصيل العلمي.


إهدار الطاقات
مرحلة العمل كانت بالنسبة إليه صعبة جداً، وفي هذا الصدد يقول: "لم أجد وظيفة بسهولة وكان الرفض يأتيني بشكل غير مباشر من القطاع الخاص بسبب الإعاقة ظناً منهم بأنني غير فعَال وغير كفيّ، وإن وجدت الوظيفة فالرواتب متدنية جداً وغير عادلة بحقنا علماً بأن هناك بعض الأعمال بإمكاني تأديتها بالتزام ومهارة عالية". ولا يخفي محمد محاولات المجتمع المدني لتوفير وظائف محدودة سنوياً لذوي الحاجات الخاصة. ويتابع في السياق ذاته "أما في القطاع العام فقد رفض طلب توظيفي في إحدى المؤسسات الحكومية في بيروت لعدم وجود واسطة وقالوا لي بشكل مباشر يجب أن يكفلك أحد الأحزاب السياسية".
يشدد محمد على وجوب ايجاد وظائف وفقاً للقانون اللبناني المنصوص عليه في المادة 220/2000 المشرَع في عام 2000 والذي لم ينفذ بسبب الفوضى السياسية والأمنية والإقتصادية، ويحدد القانون نسبة 3 في المئة لتوظيف ودمج ذوي الحاجات الخاصة داخل المؤسسات. ويذكر بأن لبنان البلد الوحيد الذي لم يصدق على الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص من ذوي الإعاقة. ويضيف "العمل أولوية لمساعدتنا، وتقديم الإعاشة يهدر طاقاتنا الإنتاجية، فتتم أذيتنا بهذه الطريقة ويحول دون إثبات وجودنا والإندماج في المجتمع بشكل صحي، فكل إنسان مهما كانت إعاقته بإمكانه الإنتاج والإندماج في المجتمع إذا توافرت الأساليب الملائمة لذلك".

 

نظرة ناقصة
في رأي محمد إن النظرة ناقصة إلى الشخص الذي يعاني إعاقة، فلو وضعنا ستاراً أمامه أثناء حديثه، فإن المجتمع سيأخذ كلامه على محمل الجد ولكن حين ننحي الستارة جانباً وتظهر إعاقته يصبح رأيه غير ذي أهمية. ويرى بأن كل إنسان بحاجة إلى مساعدة حتى لو كان يملك عشرة أيدٍ، ويضيف "أنا لا أذهب إلى البحر لأن الناس يحملقون بكل ما هو مختلف في جسدي ويمارسون ضغطاً إجتماعياً عن غير قصد ربما، لذلك أمتنع عن خلع ملابسي وارتداء المايوه على الشاطىء".
في ما خص المقارنة بين أوضاع الرجال والنساء من ذوي الحاجات الخاصة، يتساءل محمد لماذا يجب أن تأتي التضحية من جانب المرأة دائماً فنرى بأن الرجل المعوق بإمكانه أن يؤسس أسرة مع امرأة سليمة البنية جسدياً، بينما المرأة التي تعاني إعاقة جسمية ظاهرة يصعب أن تنجح في الإرتباط من رجل سليم جسدياً، وبرأيه يعود ذلك إلى أن الرجل يبحث دائماً عن الجمال والكمال، أو على الأقل هكذا تربى في مجتمعه.


ينزعج محمد من كليشيهات مثل: "غداً يمكنك أن تجد زوجة تكسب الأجر فيك" ويعلق بالقول: "لا أطلب من أحد أن يدخل الجنة على حسابي، والتعامل معنا يجب أن يكون تعاملاً إنسانياً متساوياً بغض النظر عن إعاقاتنا". كما يرفض مقولة "كل ذي عاهة جبار" لأنها غير صحيحة ويتم تفسيرها على غير ما قصد منها، ويسأل محمد: "من قال بأننا أناس جبارون، وكيف ألصقت هذه الصفة بنا فكلمة "جبار" أتت لتعني الجانب الإيجابي الإبداعي وليس الجانب السلبي التسلطي في التعامل مع الآخرين كما يتم تداوله".
تكشًفت لدى محمد نتيجة عمله في موقع إخباري موهبة في التعبير الكتابي وبدأ العمل على تنميتها وصقلها، أصبح الآن يكتب بعض مقالات الرأي، ويا للأسف هذه الفرص لا تتيحها أغلب المؤسسات للمعوقين وتكتفي بإسناد أعمال ثانوية لهم. ويعتبر محمد بأن النظرة الناقصة إلى المعوقين تقف وراء ذلك، إضافة إلى عدم تطبيق الدولة القوانين وعدم الضغط على القطاع الخاص لتنفيذ هذه القوانين.

 

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard