قرش "الشماس" في لبنان... هل رأيت "ذو الفقار"؟

26 نوار 2016 | 13:25

المصدر: "النهار"

غريب أمرنا في #لبنان ، ننتظر الفرصة لركوب الطائرة وتمضية أيام في دولة سياحية ما في وقت الذي نجهل فيه معالم وطننا ومناطقه السياحية ولا نعرف منه سوى المسؤولين ومطامر النفايات.

لم استوعب المشاهد التي رأيتها في متحف الحياة البرية والبحرية، كانت زيارتي الأولى إلى هذا الكنز المدفون في مغارة تم نحتها يدوياً بعمق 20 متراً ومساحة 4500 كلم مربع. هناك على بعد أمتار من مغارة جعيتا الطبيعية الهادئة، سفينة فنيقية عسكرية ضخمة، سطح لا يقتصر على مقهى مطل على الجبال وأشجار الصنوبر، بل هو نقطة انطلاق لدخول المغارة عبر فم القرش - مجسم يبلغ طوله نحو 35 متراً وبارتفاع 5 امتار - فتصل إلى بوابة "انتيكية " تفصلك عن العالم الواقعي والحياة البرية والبحرية.

سرداب يوصلك إلى بوابة المغاور السبع. أرض مزينة ببقايا الزجاج والبحص البحري، كل شئ فيها مشغول باليد، الحبال، الجدران البراقة، "الصواعد والهوابط". 11 سنة من العمل للوصول إلى هذه النتيجة المبهرة، ليضع فيها الدكتور جمال يونس (اختصاصي تقويم أسنان) كنزه المحنط منذ أكثر من 30 سنة. أكثر من 3 ألاف قطعة محنطة في هذه المغارة عمل عليها شخصياً، وستخلص السر من مهنته في طب الأسنان.
لكل مغارة موسيقى تتعلق بأنواع الحيوانات فيها. "الحيونات البرية" هي المغارة الأولى، هناك سترى الدب اللبناني المنقرض منذ 40 سنة، ضبع و"ظربان " وأبو غرير. ولولا كلمة تحنيط ترافقك خلال الجولة لشعرت أن هذه الحيونات ستنطق أو تتحرك. وتنتقل إلى مغارة "الأدغال" مع موسيقى تشعرك أنك في غابات الأمازون، فيها كل أنواع الطيور والزواحف النهرية، كفأر المياه المنقرض، العقاب، الباشق، وسترى في المغارات بقرة برأسين، غزلان، كلها لبنانية وباتت منقرضة.

علامات الذهول مرسومة على وجهك طوال الرحلة ويونس جاهز للرد على أي أسئلة، وفي مغارة "الصحراء" أفاع وثعابين وأكبر جراد، خفافيش، عناكب. هناك "كوبرا" تحدق بعينيك كأنها على قيد الحياة، وال جانبها "حية الجوز" التي كادت أن تقتل يونس قبل تحنيطها، فهو كان يربيها في المنزل، وتنام في الشتاء وتستيقظ في الصيف، ولم يدرك أن أولاده أطعموها فأرا ، فاستعادت نشاطها وقوة أنيابها ولطشته بعد اقترابه منها، ولولا القدرة الالهية وحقن العلاج لكان قد توفي من سمها خلال ساعات.
من مغارة إلى أخرى تبدأ عملية الفصل بين البر والبحر بالصوت والصورة، خصوصا بعد وصولنا إلى مغارة خزائن زجاجية تحوي على أثمن الأحجار الكريمة، أكثر من 250 نموذجاً من الأحجار بجودة عالية، تعتبر هي الأفضل مقارنة بمتاحف نيويورك وسيدني المشابهة.
يونس باع كل ما يملك من أجل هذا المتحف، الأحجار ثمينة جداً، براقة وجميلة، منها ما حصل عليها من الخارج وأخرى التقطها بنفسه من البحار. قناة "ناشيونال جيوغرافيك سوسيتي" حضرت الى المتحف وصنفته بـ"الوحيد في العالم فيه محنطات بحرية". مغارة النجوم حيث نجمة الشمس ذات الـ 11 ذراعًا، ونجوم غير مصنفة علمياً اصطادها يونس، أطلق على إحداها "نجوم التطور العشوائي"، والثانية "نجوم اسفنجية"، ومن يصدق وجود مرجانيات في لبنان سواء الطرية أو المتحجرة واسفنجيات المتعددة الخلايا، وما اروع الأصداف البحرية بأشكالها وألوانها منها ما هو من المحيطات وأخرى من البحر الأبيض المتوسط وأخرى عمرها ملايين السنين وجدت في صور .

من بعيد تجذبك المغارة الأخيرة "الاسماك وأسماك القرض"، هنا سترى المعجزات. قرش النمر الرملي، صاحب الأنسان الفتاكة، أنه الأكبر عالميا، ولأنه تم اصطياده في لبنان فبات اسمه "القرش النمر اللبناني"، يبلغ طوله نحو 4 أمتار و75 سنتمترا، فيما المقياس العالمي له مترين و75 سنتمترا. تتجاوز هذا المشهد فتسأل عن الذي بجانبه، هل كان هذا في بحرنا؟ نعم أنه أكبر قرش شهده تاريخ لبنان، ستتعرفون في هذا المتحف على "القرش الشماس"، يبلغ طوله نحو 9 أمتار، وهو لا يأكل البشر، بل يبقي فمه الضخم مفتوحاً وتلتقط خراشيمه الأسماك، ولا أسنان له. خلفه فقمة جميلة وحنونة، انها "فقمة الراهب" التي كان مسكنها في بحر الروشة، وعلى الرغم من أنها منقرضة، يؤكد يونس أنه لا يزال في بحرنا منها، خصوصا في مياه الروشة، لكنها لا تظهر على سطح المياه ولديها أماكنها. توفيت الفقمة المحنطة بالخطأ واكتشف يونس خلال تحنيطها أنعا حامل، فحنط جنينها ووضعه بجانبها. قرش الشبح حاضر في هذه المغارة وهناك أكثر من 30 نوعا من السرطان، كما يشتهر يونس عالميا بتحنيط الرخويات، كالاخطبوط.

الى جانب سمكة شمس المحيط الكبيرة، ثلاثة دلافين، هي الوحيدة التي تم اصطيادها في البحر المتوسط وإحداها انثى كانت حامل فحنط يونس الجنين ووضعه في خزنة زجياجية خاصة في جوار والدتها. نفاخات وأسماك طائرة، وفرس البحر، وسمكة بخمسة أفواه، كما لدى يونس سمكة غير مصنفة علمياً أطلق عليها اسم "ذو الفقار"، لحجم الشبه مع سيف الامام علي، فرأسها كمقبض السيف وطرف ذيلها مزدوج.

لا يتوقف يونس عن التحنيط ويعد بتقديم مفاجأة جديدة من العالمين البري والبحري، ولكنه يعتب على وزارة السياحة، ويقول: " على الاقل يجب أن تروج لمثل هذه المشاريع، وتدفع الوفود إلى زيارتنا"، على الرغم من الأوضاع الصعبة فان يونس سيقدم كل ما يملك من أجل بقاء الارث اللبناني البحري والبري، ويستعد لادخال ثلاثة ارقام إلى موسوعة غينيس: مجسم القرش الأبيض، أكبر سفينة فينيقية حربية، أكبر مغارة منحوتة بالجبل ومصنوعة يدوياً.

mohammad.nimer@annahar.com.lb 
Twitter: @Mohamad_nimer

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard