بكبسة زرٍّ واحدة... جَعلت مشاهير لبنان والعالم رهناً لإشارتها

23 أيار 2016 | 16:36

المصدر: "النهار"

إنّه الإنسان نفسه من اكتشف حاجته الى السلفي حين حمل هاتفاً ذكيّاً للمرة الأولى في يده. تشبه حالته في القرن الواحد والعشرين، حالته نفسها في زمن الإنسان الأوّل حين حمل حجراً في يده واستشعر حاجةً الى إشعال ما سمّاه "نار". وربّما لم يكن لمخترعي الأجهزة الإلكترونيّة يقين في ضرورة استحداث كاميرا أماميّة للهاتف لولا استشعروا رداءة ذوق مستخدمي مواقع التواصل الإجتماعي في أولى نشأتها، حيث لجأوا الى استخدام مرآة الحمّامات والخزائن كي يلتقطوا صورةً لأنفسهم. هذا ما يرويه الكاتب "كيت لوس" في مقاربته لشعبيّة موقع #فايسبوك التي تفوّقت فجأةً على شعبيّة نظيره موقع "ماي سبايس" وما ترافق مع تلك الفترة من تغييرات في الحياة الاجتماعية التي طرأت على حياة القرية الكونيّة مع حلول زمن التواصل الافتراضي. حصل ذلك بين عامي 2006 و2009.

سياسيّون وفنانون ومراهقون وعامة الشعب. فقراء وأغنياء. متعلّمون ومتسربون مدرسيّاً. جميعهم صاروا رهناً لإشارة "السلفي" بكبسة زرٍّ واحدة. حتى القردة كان لها حصّتها في التقاط "سلفي" بنفسها في ظاهرة شكّلت جدالاً واسعاً في اندونيسيا، وصلت الى المحاكم، فيما تمثّلت الإشكالية التي طرحت بالآتي: "هل يمتلك القرد حق الملكية الفكرية للصورة التي التقطها عن سبيل المصادفة؟". إذاً، العالم أجمع، تحوّق حول السلفي حتى باتت هذه الكلمة في عام 2012 من أكثر عشر كلمات "على الموضة" في العالم في دراسةٍ أجرتها مجلّة "التايم". وخلافاً لمظاهر الحياة التي تخفّ وتيرتها مع مرور الزمن، لا يزال صدى كلمة سِلفي حتّى اليوم رائجاً بزخم، وكأنها صارت جزءاً لا يتجزّأ من تقنيّة التصوير ذاتها، لا بل باتت الكاميرا الأمامية في اللوائح المحمولة والهواتف الذكية تنافس زميلتها الكاميرا الخلفيّة، على التقاط عددٍ أكبر من الصور. وليس بعيداً أن تتفوّق عليها مستقبلاً لتتربع على عرش فنّ التصوير. يعزّز هذا الافتراض عاملان. الأوّل أن نسبة صور السلفي الملتقطة على هواتف الأشخاص الذين تراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة 30% من مجموع الصور الملتقطة وذلك في استطلاع رأي قامت به شركة تصنيع الهواتف الذكية وآلات التصوير "سامسونج". والثاني أن عبارة "سلفي"، أصبحت في العام 2013 شائعة بما فيه الكفاية ليتم رصدها وادراجها ضمن قاموس الكلمات أوكسفورد الإنكليزي.

أهم صور السلفي التي التقطت حول العالم
يمكن تقسيم الصور السلفي الأشهر عالمياً الى ثلاث مجموعات: الصور التي أثارت جدلاً واسعاً عالميّاً. والصور التي شكّل التقاطها تحدّياً كبيراً لأصحابها. وتلك المختصّة بحدثٍ بارز في الأوساط الدوليّة. وإذا ما أردنا الحديث عن الصورة الأكثر إثارة للجدل، لا بد أن نستذكر الكاميرا الشهيرة التي وضعها العلماء في الغابة الاندونيسية عام 2011 بغية التقاط صور تجسّد الحياة البريّة. وعندما تمّ العثور على الكاميرا في وقتٍ لاحق تبيّن أنها تحتوي على مئات من الصور الشخصية بما في ذلك صورة لأنثى حيوان المكاك وهي تبتسم، ما أثار جدلاً واسعاً حول إمكان امتلاك القرد حقوق النشر والطباعة، واستمر الجدال قائماً لسنوات، حتى أصدر قاضي اتحادي حكمه في المسألة حيث تبيّن أن القرد لا يمكن له أن يمتلك حقوق التأليف ونشر الصور. أما السؤال الذي لم يمتلك أحد إجابة حوله: كيف تمكّن القرد من التقاط الصورة لنفسه وبنفسه؟

أما الصورة التي شكّل التقاطها مغامرة، فكانت تلك التي أخذت خارج نطاق كوكب الأرض. هي سلفي من الفضاء، صوّرت من طريق الفضول لصالح وكالة الفضاء الدولية "الناسا" على سطح المريخ. وفي كانون الأول من عام 2014 خلال الألعاب الأولمبية الشتويّة في سوتشي، حرص المستخدمون على التقاط صور "سلفي" في وضعيات غير معهودة، ما جعل #تويتر يحصد لقباً شبّه ما يحصل بما سميّ "ألعاب السلفي الأولمبية".
أما آخر صور السلفي التي نالت صخباً واسعاً عالمياً، فكان محورها سياسياً. حصل ذلك في شباط من عام 2016 في ظلّ حماوة المناظرات الخاصة بانتخابات الرئاسية الأميركية حيث لفت التقاط السلفي في بعض المجموعات الالكترونية الخاصّة بالمرشحين.

في لبنان: السلفي بين الاجتماع والسياسة
لعلّ شهرة السلفي ارتبطت في لبنان والعالم مع الفورة التي عرفتها مواقع التواصل الاجتماعي. موقع #انستغرام وحده يستحوذ على 53 مليون صورة موسومة في إطار هاشتاغ كلمة سلفي. هذا وذكرت كلمة سلفي في تحديثات موقع فايسبوك 368000 مرّة خلال فترة أسبوع واحد في تشرين أول 2013. وخلال الفترة الزمنية نفسها تمّ استخدام كلمة "سلفي" عبر "تويتر" أكثر من 150000 مرّة.

لبنانياً، جميع شرائح المجتمع تستخدم تقنية الصورة الشخصية. سياسيون وفنانون واعلاميون ومديرون ومراهقون. بيد ان أكثر الصور التي نالت شهرةً واسعة واستحوذت على اهتمام الجمهور، كانت تلك التي أبطالها من رجالات السياسة. واقعياً، يعتبر الرئيس سعد الحريري من أكثر الزعماء الذين يلتقطون السلفي في المناسبات العامة منها والخاصّة. وقد تلقّفه الجمهور اللبناني على اساس انها خطوة ايجابية تعبّر عن روحه الشبابيّة وقربه من قاعدته الشعبيّة. بعد عودته الى لبنان هذا العام، حازت صور الحريري شهرة واسعة وفي اكثر من مناسبة.
بدوره يعتبر النائب وليد جنبلاط من اكثر الشخصيات المثيرة للجدل في استخدامه مواقع التواصل الاجتماعي وتحديداً تويتر. وهو يبادر دائماً الى مشاركة تفاصيل حياته الخاصة مع متابعيه بما فيها رحلاته الخاصّة. بيد أن صور السلفي التي تجمعه مع كلبه أوسكار كانت الأكثر شهرة على الاطلاق، وخلقت للحيوان الأليف هويّة خاصّة وشهرة ذائعة لبنانياً.

فنيّاً لا شك في أن الصور التي تلتقطها الفنانات اللبنانيات هي الأكثر شهرة وحيازة على الاطراءات. ومن الناحية السلبية، كان لافتاً منذ ـشهر كيف أنهت سلفي واحدة مسيرة طالبة جامعية في بيروت بعدما تهوّرت في كتابة تعليق خلالها في مستشفى اوتيل ديو خلال فترة تدرجها كقابلة قانونية كتبت فيها ما يهدّد صحّة الأطفال ومصيرهم. فما كان من الصورة الا ان نالت شهرة واسعة النطاق. فكيف يفسر علم النفس الاجتماعي ظاهرة ارتباط تفاصيل الحياة اليومية اللبنانية بالسلفي؟

الدكتور في علم النفس الاجتماعي هاشم الحسيني يعتبر في حديثٍ لـ"النهار" أن "رغبة الناس في استخدام التقنيات الحديثة مجرّد توافرها لديهم تجعلهم يرغبون في ان يكونوا شريكاً فيها، خصوصاً أنها من الوسائل المجانية وهي تلبّي حاجة الانسان لإظهار نفسه". ويضيف أن "اللبناني في عادته يحب الظهور، فكيف اذا تيسر له حبّ الظهور وهو جالس في المنزل. هي نوع من النرجسية التي لا تقتصر على اللبنانيين وحسب. هو يشاهد نفسه ويشعر في أنه جزء من هذا المجتمع بعدما كانت الصور لا تنشر في متناول المحيط الاجتماعي سوى في حالة الوفاة منذ عقود. بهذه الطريقة يوصل صورته ويفتخر في أن لديه وجوداً وان كان وجود افتراضي، لكنه يجد فيه وجوداً حقيقياً يلبّي حاجات دفينة في نفسه ويتبادل تجاربه الاجتماعية مع الآخرين ويتفاعل معهم".

وعن علاقة عالم السياسة اليوم بالسلفي يرى الحسيني أن السياسي يعبّر عن وجوده بشكل فيه تآلف مع الآخرين ويريهم صورة جميلة عن نفسه يعبّر عن نفسه من خلالها. والسياسة في نهاية بحاجة إلى موقع يطل فيها السياسي على المجتمع وهذه الوسائل تتيح له هذه الفرصة. ولكن أبرز ما يلفت اليه الحسيني في هذا الإطار، هو تحقيق السلفي لنوع من الديموقراطية في المجتمع لأن الفقير والغني والجاهل والمتعلّم يستعملها. وهي برأيه ديموقراطية افتراضيّة تعطيه نتيجة وهي مجال للمنافسة خصوصاً حين تدخل في تفاصيل الحياة الدقيقة، فهي تلبي حاجات نفسية لدى الانسان وتجعله يتفوّق على نقاط عجزه افتراضياً.

لا شكّ في أن الزخم الذي تتمتع به #مواقع_التواصل_الاجتماعي مستمرٌّ بعدما باتت تجتذب فئات عمرية متقدّمة تتخطى الـ50 سنة. هذا ما يعزّز فرضيّة أن نطاق تأثير السلفي على الأداء المجتمعي مستمرٌّ وبقوّة. لكن من الملاحظ أن الزمن دائماً يكفل انحسار المفاهيم والنماذج الحياتية بعد وصولها الى القمة. ذروة السلفي في أوجها، ولا يزال العالم بانتظار التقنية التي ستخلفها على العرش.

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard