كانّ ٦٩- "خولييتا" لبدرو ألمودوفار: كلّ شيء عن الخيبة

18 أيار 2016 | 14:37

المصدر: "النهار"

"خولييتا" للاسباني بدرو ألمودوفار المتسابق على "السعفة الذهب" في #مهرجان_كانّ (١١ - ٢٢ الجاري) مخيّب إلى حدّ ما، إلا أنّنا لن نذهب حدّ معاتبته كونه يقوم هنا بألمودوفارياته المعهودة التي عرفت أياماً أفضل. فكلّ مخرج ينجز ما يجيده. ألمودوفار كاراكتيره طاغٍ، يسهل التعرّف إليه منذ اللقطة الأولى. أمير الـ"موفيدا" يدور حول نفسه وحول سينماه من دون أن يقدّم ما يختلف عمّا سبق شكلاً ومضموناً. إنه يبدو عالقاً في مكان ما. مع ذلك، مشاهدة فيلم له متعة للعينين والأذنين في كلّ مرة. الألوان، أناقة الإخراج، التمثيل، تشابك المصائر، لقاء الأزمنة المختلفة، هذا كلّه يجعلك تجلس أمام فيلم لألمودوفار وتتذوّقه بلا أيّ إحساس بالملل. أحياناً، قد لا يعنيك موقف، أو لا تصدّق ظرفاً يبدو لك مبالغاً، ولكن لا بأس!

في "خولييتا"، ينتابكَ إحساس بالـ"ديجا فو" منذ أول لقطة. في دورة تتسلّم الشاشةَ نساؤها، من كريستين ستيورات في فيلم أساياس إلى صونيا براغا في رائعة البرازيلي كليبير فيلو "أكواريوس"، مروراً ببطلة "أميركان هاني" لأندريا أرنولد، يزدحم كانّ ببورتريهات لنساء مصمّمات على القفز فوق الحيّز المخصص لهنّ عادة. إلا أنّه ثمة فارق ما بين المرأة في الأفلام المذكورة والمرأة عند ألمودوفار التي يأتي بصورة أم معذّبة يحوطها المخرج بمناخات الفيلم القاتم، وترافقها الموسيقى التي توحي بالخطورة طوال ساعة ونصف الساعة. هذا فيلم عن الوحدة والخيبة بتوقيع أحد أسياد الميلودراما الذي، حتى مع فيلمه العشرين، لم يغيّر عاداته التصويرية. كلّ شيء عاديّ هنا، حدّ أنّ العادية تتحوّل موضوع الفيلم نفسه.

 

نحن هنا أمام قصة خولييتا (ايمّا سواريز/ أدريانا اوغارته) التي تجد نفسها وحيدة بعد وفاة حبيبها غرقاً، وعدم رغبة ابنتها الوحيدة بعد سنوات في التعرّف إليها. يبدأ الفيلم مع تحضيرها للانتقال من مدريد إلى البرتغال مع رجل، إلا أنّ لقاءها في الشارع بصديقة ابنتها التي تكلّمها عنها، يعيد إحياء أشباح ماضٍ أليم، فينطلق عمل ألمودوفار الذي يصيغ فيلمه مرة جديدة على شكل جوارير تتضمن أسراراً.
ينطوي النصّ على تيمة الذنب، هذا الذنب الذي يطارد خولييتا ويفسد علاقتها بحاضرها. الأسلوب حاد، لا يسعى أبداً إلى تدوير الأطراف. إلا أنّ معلم العلاقات المعقّدة والمتشابكة لا يمتلك هذه المرة مادة كافية للتسبّب بغيظ بعض معجبيه الأكثر تطلباً. نخرج من الفيلم بظمأ لم يرتوِ. تبقى مَشاهد أقرب إلى الحلم: إطلالة على مناظر الأندلس، لقطة لخولييتا وهي تتحوّل من ستّ إلى أخرى، كأننا في فيلم لهيتشكوك. العائلة والعلاقات المكلومة بين أفرادها هي في صلب اهتمامات ألمودوفار، كذلك الألم والشعور بالتخلّي عن الآخر اللذان يلفّان الشخصيات. الزمن لا يمرّ عند ألمودوفار إلا ليترك ندوباً. جراح خولييتا لم تلتئم، الحياة لم ترحمها ومع ذلك ألمودوفار يؤمن بشيء يهزّ العروش: الحب، والحب دائماً. (والجمال أيضاً...).

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard