كانّ ٦٩- "متسوّقة شخصية" لأساياس: تكفي فتاة وهاتف لصنع فيلم!

18 نوار 2016 | 13:03

بهيصة قوية وصيحات تنديد واستهجان غير مسبوق، أقله في هذه الدورة من #مهرجان_كانّ (١١ - ٢٢ الجاري)، استُقبل مساء الإثنين فيلم أوليفييه أساياس، "متسوّقة شخصية"، وهو الرقم ١٦ في مسيرته. ينبغي القول بلا تأخّر بأنّ هذه القراءة التحريفية التي يقدمّها مخرج "الأقدار العاطفية" لسينما الرعب لن تترك له "صديقاً" في صفّه. أما المتآلف مع مناخات أفلامه الأكثر غرابة، فسيجد في جديد المخرج الفرنسي لذة يعيشها بالسرّ، وربما لن يعلنها لأنّ الصواب السياسي حتى في إبداء الرأي يكتسح المهرجان، حيث معدّل عمر النقّاد الذين يغطّون نشاطاته ويكتبون عن الأفلام مرتفع جداً، خصوصاً مع احتضار هذه المهنة وعدم ظهور أسماء جديدة مهمة. أياً يكن، فمخرجنا الكبير يجاهر بممارسة أشيائه الخاصة التي اعتدنا عليها منذ أفلامه الأولى في الثمانينات، وتعمقّت فيلماً بعد آخر. تجرأ أساياس أن يقدّم شيئاً مختلفاً يخرج عن الدروب المطروقة، وهو في هذا المجال يستحقّ الإشادة، كونه يخاطر من خلال إخضاع سينما المؤلف لمنطق الـ"جانر"، إلا أنه يكسب الرهان مرفوع الرأس.

الفيلم يذكّرنا بـ"الأبرياء" (١٩٦١) للبريطاني جاك كلايتون. أساياس لا يلعبها بسيطة عندما يستطيع أن يفعلها معقدة. أليس هكذا بعض الفرنسيين في سينماهم؟ تجول في الخاطر أشياء كثيرة عند مشاهدة الفيلم المستوحى من الماورائيات العزيزة على قلب فيكتور هوغو. كانت كافية لغودار فتاة ومسدس ليصنع فيلماً، إلا أنّ أساياس يجري تحديثاً لمقولة المخرج السويسري: تحت سطوته السينمائية "تكفي فتاة وهاتف محمول لصنع أفلام". ذلك أنّ نحو نصف الفيلم تمضيه كريستين ستيوارت في دور متسوّقة لإحدى العارضات، وهي تبعث برسائل خطية قصيرة لأحدهم وتتحدّث معه من دون أن تعرف هويته. مَن هو هذا الشخص الذي تجهله البطلة؟ لوهلة، تعتقده شبح شقيقها التوأم الذي توفي قبل ثلاثة أشهر، بسبب داء في القلب يعانيه التوأمان. ثم، تتعقد الأمور أكثر فأكثر، بعد دخولنا في منطقة الفانتازماغوريا، واقحامنا في التشويق على النسق الهيتشكوكي.



الشقيق هاجس لا فكاك منه. الفتاة أميركية وهي الآن في باريس وتدعى مورين. تعيش محاصرةً بعالم من السطحية والمظاهر، وهي أحوج ما تكون لنصفها الآخر الذي خسرته. الظرف الذي هي فيه يدفع بمحنتها إلى حدّها الأقصى. فضلاً عن كونها متسوّقة، فهي أيضاً "وسيطة" تستحضر الأرواح. تتنقل بدراجة نارية وسط زحمة العاصمة الفرنسية التي يصوّرها أساياس كما لو أنّ المكان لا يعنيه. يتجسّد الأخ المتوفى بأشكال مختلفة من خلال مؤثرات بصرية بدائية. الإيقاع لا يهدأ، متوتّر دائماً، سريع ومقطّع. جيدة رؤية أساياس وقد بلغ مرحلة يصوّر فيها كمَن يتنفّس. الجزء الأخير من الفيلم يقطع الأنفاس.
أفلام أساياس تحمل عموماً أعراض الزمن الذي تحدث فيه، و"متسوّقة شخصية" لا يشذّ عن القاعدة. فمن خلال رؤيته لعالمنا المادي الذي استبدل الإحساس والحرارة البشرية بأدوات تقنية وشاشات، يقدّم أساياس فيلماً مستقبلي النبرة لا يمكن أخذها على محمل الجدّ. ما نراه هنا هو المستقبل القريب الذي تخفيه لنا ثورة وسائط التواصل. قريباً، لن يدور الحوار ربما مع البشر في ما بينهم، إنما بينهم وبين أدوات ذكية. بأدائها المتملّك، تُضفي كريستين ستيورات في ثاني تعاون لها مع أساياس (كان الأول "سيلز ماريا" العام ٢٠١٤) ايروسية معينة على الفيلم، هي التي لا تتركها الكاميرا دقيقة واحدة.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard