كانّ ٦٩ - مهى الحاج لـ"النهار": في فلسطين حواجزنا ليست عسكرية فقط!

15 نوار 2016 | 15:46

المصدر: "النهار"

بأسلوب مينيمالي وكادرات جامدة وشخصيات باطنية وإيقاع هادئ، تصوّر مهى الحاج تفاصيل العيش اليومي في #فلسطين، متنقلة بين الناصرة ورام الله والأسوج في فيلم كورالي يحسن كيفية التقاط المعاني وقول أشياء أبعد من المطروح أمامنا. الفيلم عنونته الحاج "أمور شخصية"، وهي كانت فعلاً شخصية قبل أن تشرّع المخرجة الباب أمام المتفرج ليدخل حميمية العائلة فتتحوّل الأمور الشخصية عامة وملكاً للذين يرغبون في رؤية الواقع الفلسطيني بعيداً من البؤس. قسم "نظرة ما" في #مهرجان_كانّ السينمائي (١١-٢٢ الجاري) ضمّ باكورة الحاج إلى تشكيلة الأفلام التي اختارها اعترافاً بموهبة سينمائية لا تخفي إعجابها بإيليا سليمان والسينما اليابانية.

- لنبدأ من علاقتكِ بموضوع الفيلم: الحكايات الصغيرة التي أطلقتِ عليها تسمية "أمور شخصية"، هل هي فعلاً شخصية؟

هي في الواقع وليدة مخيلتي. لم تكن أموراً عشتها بتفاصيلها، وفي الآن عينه أجدني في داخل كلّ شخصية. لا لأنني الكاتبة وأشعر أنّها تنبثق مني، بل لأنّها وليد تركيبات موجودة في نفسي. بدأ الفيلم من لحظة واقعية صادفتها. كنتُ في الأسوج أزور أخي في شاليه له اثناء الصيف. كلّ شيء كان يتسّم بالبرودة، البحيرة متجمّدة، الطقس شتوي والمكان أبيض. لم أعتد طقساً كهذا، أنا الآتية من المتوسّط، من مدينة الناصرة. آنذاك، قال لي أخي جملة علقت في رأسي: "يجب دعوة أمي وأبي إلى هذا المكان". فتساءلتُ: ماذا لو أتيا حقاً ليعيشا معاً هنا؟

 

- وأنتِ أيضاً تصوّرين الناصرة مكاناً جامداً. الكادر غالباً لا يحوي سوى شخصين، كأنّه مكان مهجور...

نعم. أفعل ذلك. دعني أعود إلى تساؤلاتي في تلك اللحظة. قلتُ لنفسي: ماذا لو أُحضر ثنائياً عجوزاً مثل أمي وأبي، أقتلعهما من جذورهما وأخضّهما، ماذا سيحصل؟ هل سيدركان السعادة؟ هل سيكون كسر روتين أيامهما ممكناً؟ هل سيقتلان بعضهما البعض أم ستنتهي حياتهما بالطلاق؟ لا أدري. من هنا بدأت. ثمة نواحٍ في هذا الفيلم تمسّني. وتمسّ شخصيتي وحياتي، إنما في إطاره العام، هو من نسج الخيال.

- في الفيلم أجيالٌ عدّة: الجدّة، الأب والأم، الأولاد، حتى الجنين الذي لم يولد...

نعم، أربعة أجيال تبدأ بجيل النكبة ولا أعلم أين تنتهي. أحدٌ لا يدري ماذا سيحدث على المستوى السياسي. المشهد مبهم ولا أشعر بالتفاؤل. لا أعلم ماذا سيحلّ بفلسطين، علماً أنّ الفيلم ينطوي على جوّ من التفاؤل مجسّداً برقصة التانغو وارتياد البحر. ما أحدّثكَ عنه هو الواقع السياسي.

- لكننا لا نرى الجانب المظلم من حياة الشخصيات. حتى حضور العسكر كان ضيئلاً...

أتعمّد تحجيمهم، تماماً كما أحجّم الحكومة والاحتلال. أتركهم في وضعية ديكورات. ما أريد قوله هو أننا نحن "فلسطينيي ٤٨" تحديداً، أحدٌ لا يعرف عنا شيئاً. تتطرّق الأفلام الفلسطينية عادة إلى موضوعات النضال والصراع مع إسرائيل، وأننا كشعب ننضوي في إطار الضحية والجثّة. هذا بالطبع صحيح. وإنما ثمة آخرون مثلي لديهم قصصهم. نحن نحبّ ونغضب ونشعر بالغيرة ونفقد أعصابنا ونقترب من الخرف. قلة تتحدّث عن هذه القصص. يستحيل تجاهل الجانب السياسي بالمطلق، ففي النهاية إسرائيل موجودة. جورج حين يصل إلى البحر، يلوح علم إسرائيل أمامه.

- شخصية جورج غريبة بعض الشيء. سينماتوغرافية جداً، وخارجة قليلاً عن سياق الآخرين. لديه حلم...

لدى جورج جانب طفولي. يتراءى مثل طفل لم يكبر ولم ينضج. يحمل شيئاً من البراءة. نعم لديه حلم. لكنّه ليس حلماً فردياً. هو حلم مئات آلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية لا يعرفون البحر ولم يروه. جورج بمثابة ردّ اعتبار لهم. مؤلمٌ أنّ جيلاً كاملاً منذ الانتفاضة الأولى، لم يرَ البحر. ينتظرون صحو السماء للوقوف على جبل نابلس واختلاس لحظة تكون الرؤية صافية، لمشاهدة البحر، هو البعيد عنهم مدّة ربع ساعة في الجانب الإسرائيلي لو كانت لديهم تصاريح. جورج من هؤلاء. سنحت له فرصة إجراء تجارب الأداء ("أوديشن") لفيلم أميركي، وفي الحقيقة هو يريد شيئاً آخر.

 

- لا نرى كثيراً المجتمع المسيحي متجلياً في السينما الفلسطينية، ربما باستثناء أفلام إيليا سليمان...

صحيح. تردّدتُ كثيراً قبل وضع أيقونة العذراء أو استعمال اسم جورج. لم أرد أن يُقال: انظروا، لأنّها مسيحية، راحت تتحدّث عن المسيحيين. في النهاية، هذه بيئتي، ولا أقصد بذلك انتقاصاً من ديانة أحد. أنا جزء من هذه القصص، لا بل إنني في داخل كلٍّ منها، لهذا أردتُها مثلي.

- للبيئة المسيحية خصوصية، لا سيما بتعامل أفرادها بعضهم مع بعضهم الآخر، إلى العادات والتقاليد...

أفضّل عدم التطرّق إلى هذا الموضوع. إنه حساسٌ جداً. لا أجد أنّ تميّز البيئة سببه الديانة المسيحية. لكلّ ديانة تميّزها. عموماً، دعنا من هذا كلّه.

- في الفيلم، شعرتُ برغبة في الضحك. طبعاً، لا شيء يستدعي ذلك. أجدكِ على الحدّ الفاصل بين المضحك والمحزن، خصوصاً ضمن شخصيتي الجدّة والأم التي لم نعرف عنها الكثير ولا عن مواقفها...

تقصّدتُ عدم التعمّق في الشخصيات. هذا ليس من صنف فيلم البطل الواحد الذي تُخترق حياته وأحلامه وأفكاره وعلاقاته بالآخرين. إنه فيلم الشخصيات المتعدّدة والقصص المتداخلة من دون تعمّق. ليس المقصود أبداً أنّ مقاربة الشخصيات سطحية، بل إنني أقرب إلى فيلم بانورامي يتضمّن مجموعة قصص.

- هل من مراجع معيّنة ألهمتكِ، أو أفلام؟

أحبّ السينما التي لا تتكلّم كثيراً. الـ"مينيمالية". أفلام التركي نوري جيلان مثلاً، وأيضاً سينما إيليا سليمان. هو صديقي ومقرّب جداً إليّ. استشرته في الدرب الطويلة أثناء إنجاز الفيلم. كان في كانّ لدى عرضه، وشاهده. أحبُ أيضاً السينما اليابانية، وأفلام كلود ميللر. تعنيني الكوميديا الموجعة في صناعة المشهد. الضحك أيضاً مؤلم. تصوّر أن تقابل فقدان ذاكرة الجدّة بالضحك. ما عادت تتذكّر من الشخصيات سوى حفيدها جورج. فقدت صلتها بالواقع، لكنّها لا تزال تتمتّع بالاصرار والصبر والرغبة في سرد حكايتها وأن تجد مَن يسمع. إنّها شخصية قوية.

- إلى أيّ من الشخصيات تجدين نفسكِ أقرب؟ يبدو أنّ ميساء هي الأقرب إليكِ...

هذا صحيح! ذات يوم عشتُ ظروفها، وعرفتُ ذلك التحوّل في اتجاه أن أكون ذاتي. ميساء كانت محافظة، وفي بالها أنّها ستفقد احترامها في نظر حبيبها إن لمس تحرّرها أو رغباتها. كانت من نوع الفتيات اللواتي يبحثن عن عريس، ويخشين النظرة الاجتماعية المتعلّقة بهذه المسألة. أساءت فهم علاقتها بطارق، وأساء هو الآخر فهم علاقته بها. كان لا بدّ من الاصطدام بحاجز. حواجزنا ليست عسكرية فحسب، بل روحية واجتماعية وجنسية. ميساء فجّرت هذا الحاجز، كما يفعل الفلسطينيون حين يفجّرون أنفسهم أمام الحواجز العسكرية. هذه المرّة اتخذ التفجير شكلاً آخر. كان معنوياً.

- تتراءى الثنائيات، أيّ الأب والأم، جورج وزوجته، وميساء وطارق، انعكاساً وجودياً بعضهم لبعضهم الآخر. كأنّهم شخصية واحدة تمتدّ على مراحل حياتية مختلفة...

أحسنت! هذا ما قصدته. إنّهم اختزال العلاقات الثنائية بمراحلها كافة: شغف الحبّ وولهه كما مع ميساء وطارق، بعض الهدوء كما مع جورج وزوجته سمر، ولحظة ينتهي كلّ ذلك كما مع صالح ونبيلة. إن منحهم الله عمراً، سيفقدون كلّ شيء وينسون تاريخهم.

- لنتحدّث عن هوية الفيلم الرسمية. كونكِ مخرجة فلسطينية وفي الآن عينه مواطنة إسرائيلية والفيلم من إنتاج اسرائيلي، سيُعتبر الفيلم إسرائيلياً، ماذا يعني لكِ ذلك؟

الأمر صعبٌ عليّ، لكني لم أجد خياراً. أردتُ إنجازه. الجميع يعلم أنّ "فلسطينيي الـ٤٨" يحملون جواز سفر إسرائيلياً ويدفعون الضرائب، ولهم الحقّ بتلقّي المساعدات والتعلّم بالجامعات. يلوموننا ويتساءلون: لماذا تقبلون مساعدة إسرائيل؟ أجيبُ: لأنني فنانة وأريدُ إنجاز فيلمي. أحدٌ في العالم العربي لا يقول: تفضّل، هذه أموال الفيلم. لا صناديق دعم في فلسطين، وفي حال الاستعانة بأوروبا، سيُقال لكَ: فلتساعدكَ دولتك. حصلتُ على مساعدة مالية إسرائيلية، من دون اللجوء إلى مصدر آخر. فيلمي فلسطيني من ألفه إلى يائه. وأنا فلسطينية. لكنهم أرغموننا على فصل فلسطين عن إسرائيل لدى ذكر الجهة المنتجة، وذلك منذ نحو السنة ونصف السنة، حين قدّمت المخرجة الفلسطينية سهى عرّاف فيلمها في فينيسيا على أنه فلسطيني- إسرائيلي. قامت الدنيا ولم تقعد، وصدر قانون بمنع هذا التعريف. لديهم شرط: إن أردتَ مساعدة مالية من إسرائيل، فعليكَ أن تضع اسمها فقط على الفيلم، وإلا لا مال. بأيّ حق يجرّدونني من هويتي؟ لا أدري. أذعنتُ لشرطهم كونه الخيار الوحيد. في النهاية، الفيلم فلسطيني يُخبر قصص فلسطينيين.

- تييري فريمو قال في الافتتاح إنّ المهرجان ينسب الأفلام لهوية المخرجين، وأنتِ فلسطينية- إسرائيلية...

بعض الصحافيين يلجأون إلى عبارة إسرائيلي، وبعضهم إلى فلسطيني. ليتهم يعتمدون على صفة الفلسطيني وننتهي من إسرائيل.

- هل فرضوا عليكِ شروطاً؟ أو مارسوا على الفيلم نوعاً من الرقابة؟

أبداً. أسدوا إليّ بعض النصائح التي لم أطبّقها كوني لم أجدها مناسبة.

- أعود إلى سؤال وددتُ طرحه في بداية اللقاء، وها أنني أتركه حتى النهاية: أين كنتِ كلّ هذا الوقت؟

لم أدرس السينما، بل الأدب الإنكليزي والعربي، وكنتُ في طريقي لنيل دكتوراه، ظناً مني أنّني وجدتُ حياتي في البحث الأكاديمي. علّمتُ في المدارس والجامعات، وظلّ ينتابني شعورٌ بأنّ ما أريده هو أمرٌ آخر مختلفٌ كلياً. علمتُ بأنني فنانة، من دون أن تتبلور لديّ صورة واضحة حول المجال الذي أريد أن أعبّر به. كانت البداية مع "الزمن الباقي" لإيليا سليمان، حين طلب مني مساعدته في مجال الديكور. لم أكن أعلم عن هذا شيئاً، لكنه أراد الإفادة من معرفتي بما يتعلّق بمرحلة الـ٤٨ وبعض البحوث حولها. في مكان التصوير، ذُهلت. أبهرني هذا العالم. قلتُ لنفسي: هذا العالم الذي أريدُ أن أكون فيه. حدث ذلك في العام ٢٠٠٩، وحتى ذلك الوقت لم أدرِ أنني سأصبح المخرجة التي هي أنا اليوم. ظننتني سأعمل بإعداد الديكور. أفلام عدّة عملتُ فيها ضمن الإطار الفني، فتكوّنت تدريجاً خبرتي السينمائية. لازمني شعور بالميل إلى الإخراج والعمل مع الممثلين. بعد فيلم إيليا سليمان أنجزتُ فيلماً قصيراً أطلقتُ عليه اسم "برتقال". لم أتوقّف عن الكتابة منذ صغري. لحظة التقاط فكرة الفيلم كانت كافية لأتمسّك به وأنجزه من دون تردّد. وهذا ما حصل.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard