كانّ ٦٩ - آلان غيرودي لـ"النهار": عانيتُ عقدة الريفي والخوف من دخول السينما

14 نوار 2016 | 15:17

المصدر: "النهار"

ألان غيرودي في كانّ.

منذ اليوم الأول لبدء عروض التشكيلة الرسمية، كانت المفاجأة كبيرة مع اكتشاف آخر أفلام المخرج الفرنسي آلان غيرودي، "البقاء عمودياً"، الذي يتسابق على "السعفة الذهب"، وهو أحد العناوين الفرنسية الـ٤ داخل المسابقة. بسبعة أفلام طويلة، فرض السينمائي الريفي المغاير نفسه على #مهرجان_كانّ، فتم تحديث موقعه من "نظرة ما" حيث عرض العام ٢٠١٣ "مجهول البحيرة"، إلى المسابقة التي تُعتبر متن التظاهرة الفرنسية الشهيرة.

غيرودي قدّم عملاً ممتازاً يتعذّر تصنيفه، وصفته ناقدة "لو موند" إيزابيل رينييه بأنه يقتفي خطى بازوليني. جنس واستفزاز وكوميديا، هي بعض مكوّنات هذا الفيلم الكاسر لكلّ أنماط السرد التقليدي، والذي يصعب حتى أن نجد منطقاً له من شدة إمعانه في الجنون غير العاقل. استناداً إلى حفنة من الشخصيات المتحدّرة من الطبقة الشعبية، أخرج غيرودي فيلماً لا يساوم، بل ينطوي على تشويق نوعي يطرحه كأحد "المؤسلبين" الأكثر قدرة على الابتكار والتنويع في السينما الفرنسية الحالية. غيرودي هو اليوم نموذج الحرية في السينما.

تجري حوادث "البقاء عمودياً" في لوزيير، بطله ليو، شاب ثلاثيني يشبه الى حدّ ما غيرودي لجهة مظهره الخارجي. الفيلم عن وجوده المتأزم الذي سيجد صدى في مخيلة غيرودي الخصبة التي لا تتعب ولا تخاف. في الآتي، مقابلة "النهار" مع فنان لم يكفّ عن إدهاش البعض منّا، علماً أنّ اللقاء يتمحور حول عمله وعالمه بشكل عام، كونه جرى قبل عرض الفيلم في كانّ.

كيف بدأتَ تهتم بالسينما؟
بدأ اهتمامي بالسينما من خلال القصص المتسلسلة. رأيتُ فيها تشابهاً مع السينما، لا سيما "تانتان" الذي اعتبره اكتشاف طفولتي الأعظم. نمط السرد وعرض الشخصيات جذبني جداً. حاولتُ الرسم ولكنني فشلت. كيف أروي لك هذا؟ عندما كنتُ صبيّاً، حاولتُ إعداد قصص متسلسلة، وكنت دائماً مهجوساً بفكرة أنه ثمة طريقة واحدة ووحيدة للرسم، وإما أننا موهوبون بالرسم أو لسنا موهوبين. أكلّمك عن منتصف السبعينات، كنتُ آنذاك في الثانية عشرة. لم ألحّ على الرسم، تخليتُ عنه بسرعة. بدا لي شيئاً بعيد المنال. عانيتُ طويلاً من هذه العقدة. حتى في السينما عانيتُ من عقدة مشابهة. لم أتابع دروساً في السينما. طبعاً، أتذكّرُ جيداً عندما بدأت السينما تعني لي. في الثانية عشرة، كنتُ أشاهد الأفلام على التلفزيون، ولم أكن أرتاد الصالة. في ذاكرتي فيلم عنوانه "لوكريس بورجيا". مررتُ بفترة كنتُ أشعر فيها بالحاجة إلى التهام الأفلام، يومياً أشاهدُ فيلماً على الأقل على الشاشة الصغيرة. ثمة شيء في السينما كان يشدّني إليها، من قبيل الحلم أو الهروب. ولدتُ في الريف، وعشتُ في بيئة صغيرة وهي ملتقى للأشخاص ذاتهم. طبعاً، هذا التكرار في الوجوه ليس حكراً على أهل الريف، يحصل أن تعيش في المدينة وتعاني عللاً مماثلة. ولكن، أنا شخصياً، كنتُ أشعر بالحرمان والكبت. الثقافة بمعناها الواسع لم تكن متاحة ولكن كنتُ أقرأ كثيراً. رحّبتُ بكلّ شيء يتيح لي التعرّف إلى الآخر والغوص في خصوصياته، وهذا هو عندي تعريف الثقافة. لطالما كانت السينما عندي متصّلة بفكرة الحلم. ثم، كانت هناك فترة بدأتُ أشاهد فيها أفلاماً جادة لسينمائيين كبار أمثال بونويل وفيلليني، ولكن ثمة فيلماً مدّني بالرغبة في إنجاز الأفلام وهو "الشيطان الأبيض والإله الأشقر" لغلاوبر روشا - لم أعد أتذكّر عنوانه بالبرتغالية. لقد كان فيلماً مهماً جداً بالنسبة إليّ.

رقصة فريق "البقاء عمودياً" على السجادة الحمراء.

في أيّ عمر قررتَ أن تكون سينمائياً؟
عندما نلتُ الباكالوريا. راودتني في البدء فكرة الدراسة والالتحاق بمعهد الـ"ايديك" الذي صار اسمه "فيميس". كنتُ أعاني عقدة الريفي. وكنتُ محقّاً لأنني لم أكن أملك ثقافة سينمائية لدخول هذا النوع من المعاهد. وعندما رأيتُ امتحان الدخول تراجعتُ عن الفكرة. السينما بالنسبة إليّ كانت شيئاً بعيداً، أولاً جغرافياً لأنها كانت في باريس؛ وثانياً اجتماعياً لأنها كانت تخصّ شِلل البورجوازية والنخب. ولكن هل البورجوازية هي النخبة؟ هنا السؤال (ضحك). كنتُ أخاف، وهذا الخوف كان نابعاً من إحساسي بالعجز.

إذاً، لم تكن سينيفيلياً؟
لا أستطيع أن أقول ذلك. السينيفيلي شخصٌ يرتاد السينما كلّ يوم. سينمائيون كأريك رومير أو روبير بروسون وحتى غودار، اكتشفتهم في مرحلة متأخرة من حياتي. ربما شاهدتُ غودار عندما كنت في الليسيه. كنّا نذهب إلى السينما مرّة في الأسبوع. حتى يومنا هذا، لا أشعر بالرغبة في مشاهدة فيلم كلّ يوم.

غيرودي أثناء تصوير "البقاء عمودياً".

أنجزتَ أفلامكَ الأولى في التسعينات؟

فيلمي القصير الأول، "الأبطال خالدون"، أنجزته العام ١٩٩٠. يعنيني منذ انتقالي إلى الفيلم الطويل، وحتى قبل ذلك، خلط الأنواع والأنماط. مع ذلك، أعتقد أنّ عملي لا يتبلور بمنطق الـ"جانرات" السينمائية. أحبُّ راوول وولش وجون فورد وألفرد هيتشكوك. في "مجهول البحيرة"، أردتُ مثلاً أن أجمع أشياء أعتبرها شخصية. الطرافة هي مهمة عندي، لأنها تتيح لي البقاء على مسافة ممّا أصوّره. إنّها أيضاً الأرضية التي سنلتقي عليها مع المتفرّج، مع الآخر.

حتى في بلد كفرنسا، هل كان سهلاً عرض أفلامك؟
أعتقد ذلك. "مجهول الهوية" استقطب عدداً لا بأس به من المشاهدين. اشترته محطة "آرتي"، ولكن طبعاً لن يمرّ الفيلم الساعة الثامنة والنصف مساء. سيمرّ في منتصف الليل. الأفلام الممنوعة لمَن هم تحت الـ١٦، لا تمرّ ألا في وقت متأخر. أفلامي لم تستقطب يوماً العدد الذي استقطبه "مجهول الهوية" الذي بلغت ايراداته ١٢٠ ألفاً من المشاهدين.

عرضتَ كلّ أفلامك في كانّ...
ثلاثة من أفلامي عُرضت في "اسبوعا المخرجين". "مجهول الهوية" عُرض في "نظرة ما". لو عرض في المسابقة الرسمية، لأحدث جدلاً أكبر من الذي أحدثه. تركيز الإعلام على المسابقة أكبر بكثير. ولكن من جهتي لم أبحث عن فضيحة، وأعتقدُ أنّها لم تكن هدف تييري فريمو عندما اختاره. لم أنجز أياً من أفلامي بهدف الاستفزاز والضجة، ولكن كنت أتوقع أقله في حال "مجهول البحيرة"، أن يواجَه بالرفض، فما فاجأني هو الإجماع الذي ساد في الصحافة، وعلى مستوى الجمهور، قلة غادرت الصالة.

"البقاء عمودياً".

أتذكّر مقالاً نقدياً في جريدة "ليبيراسيون" بعنوان "تحفة سينما المثليين"...
(بعد تفكير). آه، بلى، هذا العنوان أغضبني آنذاك. فكرة سينما المثليين، ماذا يعني هذا؟ لم أرغب بتصنيف على هذا النحو. أنا أتحدّث عن الإنسان. نعم هذا فيلم أبطاله مثليون، ولكن أنا أتناول الإنسان. أن أصنَّف ضمن سينما المثليين، بصراحة لا أستطيع تقبّل هذا. ماذا يعني أن يتم الحديث عن المثليين كجماعة؟ هل هناك ثقافة المثلية؟ هناك طبعاً، في منطقة الماريه في باريس، ولكن كلّ هذا الوسط المديني لا أجد نفسي فيه. لستُ مرتاحاً مع فكرة التجمّع.

أتعتقد أنّه ثمة سينما في الجنوب مختلفة عن تلك التي تُصنع في باريس؟
لا أعتقد ذلك. حتى في السينما الفرنسية ثمة أفلام ليست فرنسية بإفراط. الجانب الذي ينعكس في أفلامي هو تجربتي الشخصية أكثر منها المكان الذي أصوّر فيه. تعلقي بالريف هو الآخر شيء ظاهر في عملي. السينما الفرنسية طالما كانت مدينية، مع أنّها عرّجت مراراً إلى الريف، ولكن في التسعينات كانت متأصلة في البيئة المدينية. كنّا حفنة سينمائيين أردنا التصوير في القرية. لي تعلّق شديد بالطبيعة. أضف إلى هذا تج السياسية والجنسية والإنسانية، كلّ هذا تتلسمه في أفلامي. طبعاً، لا أنكر أنني أشعر بانتمائي إلى الجنوب، وبصفة خاصة إلى جنوب غرب فرنسا. بلى، أنتمي إلى البقعة حيث ولدت.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard