مهرجان كانّ يفرش سجادته أمام "انتهاكات" وودي آلن وسخريته من الكلّ!

12 نوار 2016 | 14:37

المصدر: "النهار"

وودي آلن مع كريستين ستيورات وبلاك لايفلي في مهرجان كانّ أمس.

للمرة الثالثة، يفتتح وودي آلن - وبشكل أدق أحد أفلامه - #مهرجان_كانّ السينمائي الذي فرش سجادته الحمراء مساء أمس أمام حشد كبير من أهل السينما في تقليد يُعرف بـ"صعود السلالم". وفي العاشرة صباحاً من اليوم عينه، كشفت الدورة التاسعة والستون (١١-٢٢ الجاري) من المهرجان الفرنسي النقاب عن جديد المخرج الأميركي، "كافيه سوسايتي"، المعروض خارج المسابقة، تلك المسابقة التي يعتبرها آلن غير لائقة بالفنّ وبمفهومه له. "أيهما أفضل: ال غريكو أم رامبرندت؟"، قال هازئاً في المؤتمر الصحافي الذي جمعه بالصحافة بعد عرض الفيلم.

آلن خلال المؤتمر الصحافي بعد عرض الفيلم على الصحافة.

كان عرض "كافيه سوسايتي" الأول مخصصاً للنقاد في طبيعة الحال، فوصل الطابور أمام صالة "ديبوسي" إلى الكازينو المحاذي لقصر المهرجان، أي حوالى مئة متر. جميع مَن انتظروا في الخارج تحت سماء الجنوب المتقلّبة دخلوا الصالة، فامتلأت حتى آخر كرسي. شريط صعود السلالم الحمر المعروض على الشاشة بموسيقاه التي لا تفارق الذهن، هو دائماً لحظة احتكاك مع مهرجان كثر منّا ينتظرونه من عام إلى عام، وباتوا يبلورون معه علاقة حميمية. ثمة ظمأ للاكتشاف يحفزه عامل الوجود في أهم منبر للفيلم طوال ١٢ يوماً، وكانّ يوفر الكثير من اللقاءات. جرياً للتقليد، أحدهم صاح اسم "راوول" بصوت خجول ما إن خفتت الإنارة في الصالة، فانطلق جنريك فيلم آلن الذي لا يحتاج إلى أكثر من ٣ نوتات جاز ليضعنا في مناخ سينماه.

لا جديد عند وودي آلن سيقول القارئ الكسول لعمله الجديد، في حين سيدعم رأي آخر أنّ المعلم النيويوركي يعرف دائماً كيف يولد من قديمه وينهض بتكتيكاته الصغيرة والكبيرة لشدّ الانتباه. آلن يجيد الإغواء، إغواء العين والعقل والإحساس، ونحن ميّالون إلى الرأي الثاني القائل إنّ هذا من أجمل أفلامه، خصوصاً أنّنا في حضور سينمائي - مؤلف يمتلك لغته ونمط سرده ومناخاته والتيمات التي يعالجها، والتنزه بين هذا كلّه لا يعني التكرار البتة.

كريستين ستيورات.

يحملنا مخرج "زيليغ" إلى ثلاثينات هوليوود، تلك الأزمنة حيث كانت للاستوديوات ووكلاء أعمال النجوم الكلمة الفصل في كلّ شيء. هذه العودة إلى الماضي هي أيضاً عودة إلى #سينما آلن في مرحلة "أيام الراديو"، الفيلم الذي يتقاسم معه بعض العناصر. نتعرّف إلى شخصية الوكيل فيل (ستيف كاريل) الذي يتولى إدارة أعمال مجموعة من نجوم الشاشة في تلك المرحلة أو أولئك الذين على طريق النجومية. كلّ هوليوود تتحرك في خلفية هذا الرجل الذي نكتشف عبره بعضاً من الـ"جتّ ست" الهوليوودي. أسماء شهيرة تُرمى أمامنا، بول ميوني وجودي غارلاند وباربارا ستانويك. فيل هذا تراه ينتظر اتصالاً من جينجر روجرز، وهو مقرّب من هادي لامار. كلّ مصنع السينما يركع أمامه ويحلف باسمه. الخلفية هذه ستبقى خلفية ولن تغدو أكثر من ذلك. يمتنع النصّ عن تحويلها متناً، رغم انجذابه لها ومحاولاته غير المجدية بالفكاك عنها، ذلك أنّ البيت القصيد هنا هو ابن اخت فيل، بوبي دورفمان (جيسي أيزنبرغ) شاب عشريني متحمّس ينتقل من نيويورك إلى هوليوود طمعاً بالسينما التي تجعله يحلم. يهدف بوبي إلى الاستقرار في مدينة السينما ويقصد خاله من أجل وظيفة، خاله فيل صاحب الجاه والسمعة والفضل. إلا أنّه بعد فترة عمل في وظائف تافهة، يقع بوبي في غرام إحدى الموظفات (فيني - كريستين ستيوارت) التي تعمل لدى فيل، قبل أن نكتشف علاقة غرامية تجمع الفتاة الجميلة بفيل. البقية "آلنية" في أدق تفاصيلها، يُستحسن اكتشافها والاستمتاع بكلّ سحرها. ذلك أنّ المتعة هي من مكونات هذا العمل الرشيق الذي يتألق فيه آلن لنواحي السرد وإدارة الممثلين والتصوير (تولاه الكبير فيتوريو ستورارو)، وهذا أقل ما يمكن أن يوفّره مخرج يُعتبر سيد حرفة وصنعة. أما في ما يتعلق بالمضمون، فلا يوفّر آلن أحداً من شروره وكلبيته. نقده اللاذع يشمل بدءاً سطحية بعض أرباب مصنع الأحلام في هوليوود وصولاً إلى الدين اليهودي (يقول آلن إنه تربى في كنفه وبالتالي لا يزال يشكّل هاجساً عنده)، مروراً بالعلاقات بين البشر، وفي مقدمها العلاقات الزوجية.

كعادته، يقدّم آلن ما يمكن اعتباره مأسوياً في إطار طريف. نضحك ولكن نعرف أنّ الذي يضحكنا هنا يغضبنا في أفلام أخرى. بوبي، الشخص الرومنطيقي الذي لا يجد مكاناً له في العالم، هذا الأخرق التائه بين التزام حلمه أو الانجراف خلف المشروع العائلي المتستر، هو نسخة شابة لوودي آلن، من دون أن يعني هذا بالضرورة تطابقاً بين الرجلين. مثل آلن، لدى بوبي جانب مراهق ومشاكس، ولكن لا يلبث أن يتبدد تحت وطأة الارتباطات العائلية والمالية والمصلحية، فيعود ويولد في هيئة "داندي" بعيداً من الشخصية التي عرفناها في بداية الفيلم.

"كافيه سوسايتي"، فيلم افتتاح الدورة الـ٦٩ لمهرجان كانّ.

آلن في هذا الفيلم يلسع الكلّ بلا رحمة، ضارباً بعرض الحائط كلّ المؤسسات، العائلية منها والدينية. ينتهك كلّ السلطات، الأبوية والفنية أيضاً. هذا فيلم فنان لم يعد يحتاج شيئاً من أحد. مسنوداً بصورة ستورارو ومتمسكاً بأناقة كبار مخرجي هوليوود، يدنو آلن هنا في فنّه الساخر إلى بيلي وايلدر، حيث كلّ شيء يتدفق بهارمونيا باهرة، وليس من الخطأ أيضاً مقارنة روحيته بروحية ارنست لوبيتش، خصوصاً لحظة إدراك بوبي أنّ الحياة كوميديا ألّفها كاتب سادي.

يعجّ "كافيه سوسايتي" بشخصيات ثانوية كثيرة، من والدَي بوبي وأخواته، إلى قامات المجتمع المترفع المخملي التي تشكّل فسيفساء النادي الليلي الذي سيتولى بوبي إدارته لاحقاً، وسيكون سبباً في ثرائه. متعة آلن طفولية تقريباً في هذا الفيلم، وكذلك حاجته المزمنة إلى الاضطلاع بدور الحكواتي بغية تقديم بورتريهات لا يتأخر الفيلم عند أيٍّ منها. صحيح أنّ حوادث الفيلم تدور حول فترة محدودة من الزمن، إلا أنّ الأشياء فيه تتوالى بوتيرة جهنمية. زواج وطلاق وولادة وخيانة وقتل، نصّ آلن مشبّع بالخضّات النفسية والخيارات التي تجعل شخوصها يلاقون نقيضهم على الضفة الأخرى من الحياة. مع ذلك، فاللقاء بين يهودي من بروكلين وفتاة بخفة النسيم وجماله، يسحق القلب. الكلّ مصحوب بتعليق صوتي لآلن نفسه الذي يقفز من أعماق برونكس حيث الجريمة المنظمة إلى فيللات النجوم في بفرلي هليز. التغيير الذي يلحق ببوبي وفيني اجتماعياً يصوّره آلن بميلانكوليا تصبح مؤشراً لهاجس الموت الذي يطارد مخرجنا الكبير منذ فترة، ربما لأنه الشيء الوحيد الذي يخوّله قياس الزمن من خلاله، هذا الزمن الذي يتسرّب من بين أصابع رجل ثمانيني قال أمس: "أنا فعلاً في الثمانين؟ لا أصدّق ذلك. ما زلتُ شاباً وبكامل قواي العقلية. آكل جيداً وأمارس التمارين الرياضية. والدي عاش أكثر من مئة عام وأمي تقريباً مثله. ولكن أنا متأكد من أنني سأستيقظ يوماً، لأشعر أنّ سكتة دماغية أصابتني، فسيراني الناس على كرسي متحرك وسيقولون: تتذكرونه؟ هذا كان وودي آلن. في انتظار تلك اللحظة، سأتابعُ صناعة الأفلام". في الختام، تفصيلٌ صغير: ليمعن بالحياة الأبدية التي ترفضها له ديانته اليهودية، يعتنق أخ بوبي المحكوم بالكرسي الكهربائي المسيحية. كلّ شيء متحوّل في فيلم آلن، إلا ما يجعل الطبيعة البشرية عرضة للسخرية!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard