32 ألف صوت بيروتي للقمصان البيض... إنجاز الدوائر الثلاث

12 نوار 2016 | 12:44

المصدر: "النهار"

خلال عملية فرز الأصوات في "البيال" (عن صفحة الفنانة نادين لبكي على "فايسبوك").

ما إن اقتربت الساعة من السادسة مساء الأحد الماضي، واستقرت نسبة التصويت عند حدود الـ ١٨ في المئة في معركة بيروت البلدية، ارتسمت معالم الاحباط على المندوبين الشباب الذين وقفوا خارج مركز الاقتراع في الثانوية العاملية بمنطقة رأس النبع. كانت قد مرت ساعات طويلة على وقوفهم تحت شمس حارقة يحاولون اقناع الناخبين بالتصويت للائحة #بيروت_مدينتي بعبارات على عجل ويقتربون من السيارات لتوزيع اللائحة. ساعة قبل اقفال صناديق الاقتراع ولم تتخطَ نسبة التصويت العشرين في المئة، واذا ما طابقنا الرقم مع حسابات استطلاعات الرأي والخبراء الانتخابيين، فإن الأمر كان يشير الى نتيجة مخيّبة، يقول صاحب القميص الأبيض. لكن مهلاً يا رجل، ألم تسمع بـ "تسونامي" الأشرفية، يجيب زميله.

في الواقع، ان ما حصل في الدائرة الأولى لا يختذل كل الحكاية. رميل والصيفي والأشرفية أعطت لائحة التغيير حسماً بيّناً على حساب اللائحة المنافسة، وكما هو معلوم لولا الأصوات الأرمنية في المدوّر لما كان الفارق في هذه الدائرة انحصرَ بنحو 2000 صوت لصالح "مدينتي"... لكانَ الفارق هائلاً.
مع ذلك، فإن محاولة تطييف التصويت والصاق الرافعة التي جعلت من اللائحة تحصل على نحو 32 ألف صوت بطائفة ومنطقة، لا تعكس الصورة الحقيقية للمنتفضين على الواقع في الدائرتين الثالثة والثانية، وبالتالي تساهم في تقويض الأمل الذي انتشر في الفضاء العام. فاذا كانت "الثانية" منحت "مدينتي" نحو ٤٥ في المئة من أصواتها، فان "الثالثة" أعطت بلغة العدد الرقم الأكبر من الأصوات لـ"مدينتي"، 18399 صوتاً لرئيس اللائحة ابرهيم منينمة، و31139 لأول الرابحين في "البيارتة" محمد فتحة.

أي ان ما ناله منينمة في "الثالثة" التي تمثل ثقل "تيار المستقبل" يمثل ضعف ما ناله وزملاؤه في الأولى. لذا، وانطلاقاً من هذا الرقم الكبير في الدائرة الأصعب لناحية خوض الانتخابات في مواجهة الماكينة "المستقبلية" المجربة، وفي المكان الذي تخضع فيه أمزجة الناس منذ العام 2005 لمفاعيل الصراع السني-الشيعي المتغوّل، لا يجوز التقليل من أهمية ما أنجزه الشباب عبر ادخال المعطى الطائفي-المناطقي لتشويهه.

 

أي شعارات براقة؟

واذا كانت "الأولى" شهدت تمرداً كبيراً على الأحزاب من  مناصرين وحزبيين، فإن رصد هذه الظاهرة يجب ان يتم من منظور سياسي تقدمي لصيق بوعي الناس في عدم التبعية العمياء، واستجابتهم للبديل الواعد متى ما رصدوا فيه ما لا يتناقض مع موروثاتهم وتطلعاتهم. لا يمكن تبدية عامل وجود رغبة لدى مسيحيين في توجيه رسالة الى الزعيم السني سعد الحريري بعد سلسلة الشروخات الحاصلة بينه وبين أبرز حزبيين مسيحيين، من "الابراء المستحيل" الى ترشيح النائب سليمان فرنجية للرئاسة، على عامل استياء الناس من واقعها وقرارها محاسبة المجلس البلدي القديم الذي عاش في قعر خلافاته وشهرَ مسألة الصلاحيات ليتنصلَ من ملف النفايات الذي جعل بيروت تعيش واحدة من أسوأ أزماتها.

ومن منظور تغييري أيضاً، لا يمكن اهمال رسالة عدم اكتراث الناس بمفهوم التحالف الحزبي المسيحي القوي الذي يكاد يشرع في تقديم نفسه محتكراً لكلمة المسيحيين. من صوّت يوم الأحد قال للأحزاب انه ادرى بمصالحه. صحيح ان هناك من يوجّه اللوم للأحزاب والقوى المسيحية لاعتكافها عن تنظيم مهرجانات انتخابية في الدائرة الأولى والتعبئة بهدف التصويت للبيارتة، لكن بمعزل عن مسألة الشح المالي، يجدر التوقف ملياً للسؤال تحت اي عناوين "براقة" كانت ستخاض هذه التعبئة، هل بشعار المناصفة الذي بات عرفاً ولا يطعم خبزاً ولا يسوّي اوضاع رصيف ولا يزيل جبال النفايات، ام بشعار "بيروت لأهلها" الذي لا يصرف في الأشرفية الحاضنة بحب لآلاف القاطنين فيها المتحدرين من الجبال والأرياف.

ولا تقل رسائل الطريق الجديدة "معقل الحريرية" التقليدي أهمية، حيث خرج نحو ٣٠ في المئة من المقترعين ليختاروا البديل من "المستقبل"، ليس لأنهم يكرهون الرئيس سعد الحريري بالضرورة، بل ليقولوا انهم في حاجة الى تحسين اوضاعهم وتنمية منطقتهم والى مستشفى موعود حيث لم تعد "المقاصد" تكفي حاجات المنطقة، وانهم يخشون مشاهد المقاهي المرخصة المنتشرة كحزام يضم شباناً عاطلين عن العمل جعلوا من النرجيلة واشياء أخرى سلوى يومياتهم العديمة الفائدة. النائب أحمد فتفت استغرب في حديث لـ"النهار" ان تنال "مدينتي" ٣٠ في المئة فقط في الطريق الجديدة لأنها من اكثر المناطق الفقيرة التي عانت من البلدية السابقة. الطريق الجديدة التي عرف عن ناسها حب الحريري، لا يجد كثيرون منهم في أحمد قعبور وابرهيم منينمة سوى ابنين من #البيارتة الاصيلين المخلصين بحب أرضهما.

درس بليغ

ويبقى ما حصل في ذلك الأحد المشرق من آيار في #بيروت درساً بليغاً للشروع في التمرس بمحاكاة الفئة غير المبالية بالشأن العام، والتي تؤثر الصمت والسلبية تجاه أي محاولة للتغيير. وبمقدار ما يجدر درس أرقام المقترعين ودلالاتها، تحتم نسبة نحو 80 في المئة من المعتكفين عن التصويت والمسجلة اسماؤهم في لوائح الشطب التحقيق في الاسباب العلمية لهذا الامتناع. كما تجدر المتابعة الجدية لنواة شبابية بيروتية فاعلة تراكم الخبرات وأظهرت نفسها على الارض من حركة اسقاط النظام الطائفي، الى الحراك المدني، الى بيروت مدينتي. ولا شك ان من خاض منها تجارب غير ناجحة تتحتم عليه الاستفادة من تجربة منظمة عملت في السر أكثر من العلن وتحدثت بلغة الواقع ومارست السياسة بعمق حتى لو لم تجاهر بالأمر، فأجادت اقتحام بيوت محازبين وقلوبهم في دوائر بيروت الثلاث.

وبطبيعة الحال، لا يجب إهمال ان هذه الدينامية تأتي في زمن هامشية لبنان بالنسبة للقوى الاقليمية المتحكمة بصراع السنة والشيعة في المنطقة، وللقوى الدولية التي تدعم مظلة الاستقرار الامني الهش من دون الضغط الفعلي لتسيير الانتظام العام، ناهيك بالحصار المالي المفروض من بعض الخارج على حلفائه في لبنان. في الواقع، كان يجب على القوى السياسية المؤثرة الالتفات الى هذه العوامل لخلق واقع مغاير وترسيخ هامش صناعة القرار الداخلي، لكن يبدو ان نخبة مثابرة من المجموعات الشبابية كانت أكثر وعياً ونجاحاً بمحاولة صناعة متغيّر.

diana.skaini@annahar.com.lb
@dianaskaini

مزرعة "TerrAyoun" في جبل صنين: مسكن ملوّن في أرض الأحلام

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard