بعلبك - الهرمل: التباسات في اقلام، مندوبون حشريون... وتوجيه صباحي من "حزب الله"

8 نوار 2016 | 07:52

المصدر: "النهار"

يوم استثنائي عاشته محافظة بعلبك–الهرمل التي تخوض الانتخابات البلدية والاختيارية للمرة الاولى كمحافظة. فرغم ان الأيام الماضية اوحت أن المعركة انتخابية بلدية- سياسية بامتياز، أثبتت الصناديق ان السياسة طغت أكثر مما كان متوقعا، من دون ان ينفي ذلك تأثير الثوابت العائلية والإنمائية.

في مدينة بعلبك، تنافست ثلاث لوائح: لائحة "حزب الله" "التنمية والوفاء" المكتملة، برئاسة العميد المتقاعد حسين علي اللقيس. لائحة "بعلبك مدينتي"، برئاسة رئيس بلدية بعلبك السابق المحامي غالب ياغي، وترك فيها مقعدا شاغرا. ولائحة "مواطنون ومواطنات في دولة"، وتضم 3 سيدات، إضافة الى 3 مرشحين منفردين.

التباسات في اقلام الشيعة
معركة حامية... لكن الانطلاقة كانت ضعيفة جدا صباحا في اقلام الشيعة، بسبب التباسات في مراكز اقتراع، ابرزها عدم تمكن عدد من الناخبين من العثور على اقلام الاقتراع المخصصة لهم، لاسيما في "غفرة، ريش شرقي، ريش غربي، الصلح"، مما تسبب بضياع. في المقابل، شهدت اقلام السنة اقبالا واسعا، بحيث بلغت نسبة المقترعين 20 في المئة في التاسعة والنصف قبل الظهر.

ومن مفارقات المعركة البعلبكية، "ظهور" نائب الامين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في كلام صباحي، وذلك للمرة الاولى خلال استحقاق انتخابي، اذ جرت العادة ان يصرح عقب الاستحقاق خلال اعلان النتائج. فدعا الناخبين الى التصويت للائحة "التنمية والمقاومة"، مشددا على ان "اصواتهم ستؤثر في المجلس البلدي، مما يساهم في تعديل الكثير".

وشكّلت دعوته حافزا أساسيا لتوجه الناخبين بكثافة إلى الصناديق، لترتفع نسبة الاقتراع الى 25 في المئة ظهرا، خصوصا في قلم النبي انعام المختلط للسنة والشيعة، بحيث بلغ عدد الناخبين السنة 20 في المئة، في مقابل 25 في المئة عند الشيعة.

"مع المنيح"
في حي الريش الشرقي، يجلس خمسيني يقارن بين لائحتين اعطيتا له بالطبع، لا ليختار، على ما يقول، بل ليطمئن الى ان "لا لوائح ملغومة". ويعلّق: "ثمة لائحة اخذتها على الطريق، واخرى من اخي". الى جانبه، يقف رفيق لقيس الثمانيني الحالم بالتغيير، ويتعكز على يد حفيده الشاب ليقترع للائحة "بعلبك مدينتي". ويقول: "انا مع المنيح"، و"أحلى عالم عنا بالبلد، واؤمن بهم".
الى مراكز الاقتراع، جاء المجنّسون "الفاعلون" في انتخابات بعلبك، النيابية أو البلدية. الامور سارت بانتظام، رغم ان عجزة كثيرين واشخاصا من ذوي الحاجات الخاصة عجزوا عن الصعود الى الطبقتين الثانية والثالثة في مركزي النبي انعام وغفرة والريش شرقي، للادلاء باصواتهم، مما اوجب حملهم او تأمين مساعدة خاصة لهم.

خلط... واستغلال
في مركز النبي انعام، تطلب احدى المندوبات: "من فضلكن، خدوا بالكم من الناس". وما أن تنهي جملتها، حتى يخرج مندوبان حاملين أحد المعوقين، بعدما ادلى بصوته في الطبقة الثالثة. وتبتسم السيدة لتلبية طلبها بسرعة. وازدادت عجقة المقترعين امام مركز غفرة في مبنى مدرسة النور الضيق، مما تسبب بازدحام شديد. فالى عجقة مندوبين، اضيفت صفوف من الناخبين التي امتدت حتى الباحة.

في مركز ريش الشرقي، لوحظ ان عازلا واحدا فقط وضع في عدد من الغرف، مما زاد ازدحام الناخبين الذين وقفوا في طوابير طويلة. ومن غرائب الانتخابات، وضع عدد من الناخبين مغلفات تصويتهم للاختيارية في صناديق البلدية. كذلك، استغل بعضهم انشغال القوى الامنية لتنشيط ورش بناء مخالفة او ممنوعة نطاق بعلبك العقارية.

في الاولى الا الثلث بعد الظهر، وصل وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق الى سرايا بعلبك، حيث تفقد غرفة العمليات، واطلع من ضباط الأجهزة الأمنية على سير العملية الانتخابية، مبديا "رضاه" عن إنسيابها. ثم توجه إلى بلدة عرسال.

بريتال بين التشطيب وكسر العظم
وأبت العائلات والعلاقات الشخصية إلا أن تسجل حضورها في بلدات قضاء بعلبك، حتى في أكثر المعارك حماوة، أي بلدية بريتال التي سماها مهندسو الانتخابات "أم المعارك". وقد انحصر التنافس فيها بين لائحتين متعارضتين سياسيا: لائحة "التنمية والوفاء لشهداء بريتال" المدعومة من "حزب الله"، ولائحة "انماء بريتال" برئاسة رئيس البلدية عباس زكي اسماعيل القريب من الامين العام السابق لـ "حزب الله" الشيخ صبحي الطفيلي والعائلات.

لكن ذلك لم يمنع العديد من الناخبين من القول "انهم لا يستطيعون تخطي المعرفة الشخصية بمرشح ما، حتى لو كان على لائحة منافسة". فكان لا بد من التشطيب، بينما اعتبر آخرون أن المعركة مختلفة، وتأخذ منحى كسر عظم سياسي بين الفريقين، بحيث استحضرت خلالها كل عناصر المعركة من تحدي وحضور لوجستي للمرشحين وماكينة "حزب الله".

لذلك نزل كل فريق الى أرض المعركة، متسلحا بأعداد كبيرة من ماكينته الانتخابية الذين تولوا توزيع اللوائح و"بونات" البنزين ونقل المقترعين، خصوصا المجنسين، من القرى المحيطة والعاصمة. وتجمعت "الفانات" امام مراكز الاقتراع، وتمركزت في الساحات لمساعدة الناخبين، خصوصا المسنين، على التنقل. في أحد مراكز الاقتراع، فاق عدد ماكينة الحزب العدد المسموح به قانونا، مما دفع قوى الامن الداخلي الى الطلب منهم المغادرة.
وترجم هذا التأهب وصول نسبة الاقتراع، ضمن المراكز الخمسة، الى 40 في المئة في كل أقلام بريتال قبيل 11 قبل الظهر، خصوصا بين الناخبات اللواتي احتدشن في صفوف طويلة. في غضون ذلك، اعترض 1500 ناخب لعدم ورود اسمائهم في لوائح الشطب. وكانت لبريتال حصتها من "فهود" الامن الداخلي، الى جانب عناصر الجيش اللبناني، تخوفا من اي اشكالات امنية، نظرا الى حساسية الوضع في البلدة.

مندوبون تجاوزوا حدودهم!
المشهد نفسه في المحافظة: مواطنون وقفوا في طوابير للادلاء باصواتهم، تجمعات حزبية في الساحات والاحياء... حجم الانفاق الانتخابي لماكينة "حزب الله" بدا واضحا، ولم تتغير الامور كثيرا عما كانت عليه سابقا، مع مندوبين انهمكوا في توجيه المقترعين وتوزيع اللوائح سلفا.

في بلدات دائرة بعلبك وقراها، انتشرت آليات الجيش، وقام الجنود بدوريات سيارة، مع إجراءات عند كل مفترق طريق، مما اكد ان الحضور الأمني على مستوى المعركة. وأسدل الستار عن الانتخابات، من دون احداث امنية تذكر. غير ان الفوضى دبّت في مركز بلدة يونين الوحيد، حيث اندفع مندوبون حشريون الى التدخل والقيام بمهمات من صلاحية رؤساء الاقلام وقوى الامن، مما شكل ضغطا على رؤساء الاقلام ومعاونيهم. وسُجِّل وضع لوائح للمرشحين بوفرة وراء العازل، خصوصا في الغرفة 8، واحداها باسم المرشح المختار علي رامح درة.

وفي نحلة الجارة، يقع مركز الاقتراع الوحيد في اعلى نقطة في البلدة. ويتطلب الوصول اليه سلوك طلعة قوية وضيقة، مما اثار استياء ناخبين. المعركة تنافسية بين الاحزاب والعائلات، والتشطيب سيد الموقف، اضافة الى لوائح ملغومة، بحيث وضعت اسماء غير مرشحة في لوائح، كاسم علي حسن يزبك. وعمد مندوبون الى سحبها.

في بلدة شعت المنكهة بالطائفتين السنة والشيعة، تجاوزت نسبة اقتراع السنة نسبة الشيعة. وعاشت يونين التي خاضت معركة العائلات بعد خروج الاحزاب منها، يوما حاميا، وضاقت قاعات المدرسة الرسمية بالناخبين، وسط فوضى عارمة، الى جانب تجاوزات كثيرة من مندوبين غير آبهين بارشادات رؤساء الاقلام. وامكن مشاهدة لوائح انتخابية موضوعة وراء كل عازل، وتدخلت فرق المراقبة المكلفة من الداخلية لضبط الامور.

"باردة" عند المسيحيين
وبردت المنازلة عند الناخبين المسيحيين في القضاء، بحيث وصلت المشاركة المسيحية الى ادنى مستوياتها، لاسيما في مدينة بعلبك (5 في المئة)، نظرا الى تزكية منصب المختارين. وكانت المشاركة مقبولة في دير الاحمر التي استيقظت باكرا على هدير آليات الجيش في أحيائها. لكنّ الاهالي لم يستعجلوا التوجه إلى مراكز الاقتراع. وتأخر فتح اقلام الاقتراع حتى الثامنة والنصف صباحا، نظرا الى عدم وجود مندوبين للمرشحين.

وفي ايعات، لم تلحظ اقلام اقتراع المسيحيين حضورا قويا، في مقابل ارتفاعه في القاع ورأس بعلبك التي تميزت بمجيء كافة ناخبيها من بيروت. وفي بلدات غرب بعلبك، كانت ساخنة، على غرار طقس نهاية الاسبوع الحار. فلكل منها خصوصيتها وتقاليدها "الانتخابية" الملوّنة ببعض المحسوبيات العائلية، والتي عرف هذا الحزب السياسي او ذاك "اللعب" على اوتارها. وبدا جليا انتظام عناصر ماكينتي "حزب الله" و"امل" معا... بعكس بلدات اخرى ذات الطابع العائلي التي اقترعت بهدوء، مع إقبال تفاوت بين بلدة واخرى: كان خجولاً في مكان، وكثيفاً جداً في مكان آخر. ووصلت نسبة المشاركة حتى العصر الى 30 في المئة في بعض البلدات، بينما فاقت الـ70 في بلدات أخرى.

ماذا يقول نواب بعلبك عن المنازلة؟ اكد النائب كامل الرفاعي، بعد ادلائه بصوته في قلم حي غفرة في مركز متوسطة بعلبك الرسمية الاولى، "انماء بعلبك والتمسك براية المقاومة وسيدها، والعمل على رفع الغبن والحرمان عن المنطقة"، داعيا الى "اوسع مشاركة في الانتخابات، لان الاقتراع سيحدد شكل المجلس البلدي المقبل".

بين هدوء وحماسة عائليّة وحزبية، وبين معارك وتزكية، وتوافق وتنافس، تأرجحت دائرة بعلبك في يوم انتخابي طويل. ويعود الى صناديق الاقتراع ان تبدل وقائع، وترسم موازين جديدة.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard