الى حزب الله... يكفي نزفاً!

7 نوار 2016 | 10:54

ونحن في موسم الانتخابات البلدية التي يشارك فيها "حزب الله" بقوة ويطلب من مناصريه وجمهوره الاقتراع للوائحه، وهوالكلام الذي أطلقه أمينه العام السيد حسن نصرالله، سيبدو الحديث عن تورط الحزب في سوريا، والكلفة التي يدفعها، وكأنه كلام على الهامش. لكن موقف نصرالله من الموضوع السوري، والمصادفة أننا في ذكرى 7 ايار، يؤكد أن الأولوية لدى "حزب الله" تبقى في سوريا، فيستمر في حشد مقاتليه ونخبة عناصره ودفعها على مختلف الجبهات المشتعلة في سوريا، ما يعني مزيداً من الغرق والاندفاع الى مناطق أبعد، وفي المقابل خسائر وانعكاسات سلبية على لبنان واللبنانيين في مختلف المجالات.

يقدم "حزب الله" خيارات التدخل والانخراط والتورط في الداخل السوري، على ما عداها من ملفات أخرى. لكنهاليوم وبعد أكثر من أربع سنوات على انغماسه في الوحول السورية، يقف على مسافة شاسعة من اللبنانيين الذين لا يريدون التورط والمشاركة في حرب يذهب ضحيتها يومياً مدنيون، وان كان تبرير الحزب، قتال التكفيريين. واللبنانيون الذين يرفضون تدخل "حزب الله" في سوريا، كانوا يوماً من أشد المدافعين عن مقاومته للإحتلال الاسرائيلي، يتساءلون عن جدوى هذا الإنخراط الذي يكبد الحزب خسائر كبيرة، وشباب يسقطون يومياً، وهي أسئلة تظهر الى العلن أيضاً داخل الطائفة الشيعية وبين جمهوره القريب، عن جدواها.الكلفة وفاتورتها اليوم مرتفعتان جداً اذا قورنت بمواجهة العدوان الاسرائيلي لـ33 يوماً في 2006، فجدوى الانخراط في الحرب السورية مختلفة، خصوصاً وأن "حزب الله" دفع قسماً من مقاتلي النخبة لديه في السنتين الأخيرتين الى الجبهة السورية، وافرغ مناطق جنوبية منها ليغطي مناطق شاسعة في سوريا مع مقاتلين آخرين من جنسيات مختلفة، وهذا ظهر بأعداد القياديين الذين سقطوا خلال العامين 2015 و2016، حيث فقد الحزب عدداً كبيراً منهم يصل الى نحو 55 قيادياً وهو عدد لم يخسره الحزب خلال سنوات طويلة من مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، قبل التحرير عام 2000، ويفوق بأضعاف ما خسره خلال عدوان تموز 2006. وتشير مصادر محلية وخارجية أيضاً الى أن عدد شباب "حزب الله" الذين سقطوا في سوريا منذ ان انخرط الحزب في القتال هناك يتجاوز الألف وخمسمئة شاب، فيما انتشار آلاف المقاتلين من النخبة والمتطوعين والأنصار يرتب كلفة كبيرة وتجهيزات ومتابعة وتأمينات لوجستية وغيرها مما تتطلبهاعملية القتال، بالإضافة الى الإستنفار في القرى القريبة من الحدود السورية، وعمليات التبديل. ولا تزال قرى كثيرة لبنانيةتفرغ من شبابها الذين يقاتلون في سوريا.

خسر "حزب الله"في حلب وريفها وحماه وحمص والقلمون والزبداني، عدداً منقياديي النخبة لديه، كانوا الابرز في قيادة المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، من بينهمعلي أحمد فياض الملقب بـ"علاء البوسنة" وقبله علي خليل عليان المعروف بـ "ابو حسين ساجد"، وتوفيق النجار المعروف بأبو علي، إلى جانب غسان فقيه الملقب بساجد الطيري، والقيادي حسن حسين الحاج الملقب بأبو محمد الاقليم، ومحمد أحمد عيسى و سمير القنطار، وجهاد مغنية وغازي ضاوي ومصطفى حسين أيوب (أبو تراب)، و زيد حيدر الموسوي، وحمزة وجيه زلزلي، وفوزي محمد أيوب، واللائحة تطول من القياديين، من فادي الجزاروحسين صلاح حبيب، وحمزة حيدر، وغيرهم، وجميعهم كانوا قياديين على مدار سنوات المقاومة. وسقط له نحو 1500 شاب منذ اعلان انخراطه في الحرب السورية، فيما لم يسقط له من المقاتلين في عدوان تموز 2006 سوى 187 رغم شراسة الحرب، ويكاد العدد الذي سقط في الحرب السورية يوازي عدد الشهداء الذين سقطوا ضد الاحتلال الاسرائيلي على مدى سنوات المقاومة.

اختلفت المعطيات، بعدما كان يقاتل الحزب في ساحته ضد الاحتلال الاسرائيلي. هو اليوم في ساحة أخرى لا يعرف حدودها ولا تلاوينها ولا الدخلاء عليها، على الرغم من أنه يكابر بمعرفة كل الخريطة السورية. والمشهد يبدو مختلفاً. ففي قتاله في سوريا، نقل "حزب الله" المقاومة من قوة على الحدود الجنوبية، مهمتها التحرير، الى الحدود الشمالية والى طرف في الصراع السوري ذهب بعيداً الى حد القطيعة والعداء مع فئات سورية وعربية أيضاً، وإن كان عنوانه مقاتلة التكفيريين. وهذا القتال يجري تحت عناوين مختلفة، لكنه بالتأكيد لا يحظى بموافقة اللبنانيين، إذ يعتبر لدى كثيرين انخراطاً في الصراع ضدجزء كبير من الشعب السوري.

يحق لنا السؤال عن مسوغات الحزب التي يوردها دفاعاً عن استمرار مهمته القتالية في سوريا. وما هي الوظيفة والنتائج الإيجابية التي يحملها للبنان؟ هي لا تتشكل حول المهمات الوطنية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي، ما يعني أن استنهاض تضامن وطني امام مواجهة عدوان اسرائيلي محتمل، تراجع أو بات غير ممكن بعدما ترنح لدى فئات لبنانية واسعة. وباستمرار انخراطه يحدث الحزب انشقاقاً وشرخاً اجتماعياً داخلياً كبيراً، في ضوء ما تمارسه القوى المذهبية الأهلية الأخرى من ردود، ما يهدد البنية اللبنانية وتماسكها. وبالنسبة الى جزء من اللبنانيين هذا مسلك يتنافى مع ضرورات الوحدة اللبنانية في مهمة الدفاع عن لبنان، وصون سيادته، واستكمال تحرير ما تبقى من أرضه. ويطرح بالنسبة الى كثير من اللبنانيين علامات استفهام كبيرة عن اقحام البلد في أخطار تتمثل في انعكاسات ارتدادية على الداخل اللبناني، الى تغذية الخلافات السياسية القائمة ومفاقمتها بعوامل توتر اضافية.

لا داعي لتذكير "حزب الله" أنه قاتل في الجنوب متسلحاً بخصائص ساحته أو منزله اذا جاز التعبير، لكنه اليوم يفقد هذه الخاصية، وان كان كثيرون يؤيدونه في معركته ضد التكفيريين، لكن الداخل اللبناني اليوم لم يعد كله ساحة للحزب، بعدما فقد جزءاً من "الغطاء المنزلي" الذي تمتع به واستند اليه لسنوات طويلة. وهو اليوم يتورط اكثر في الداخل السوري وفي ساحات أخرى، حتى أنه يشارك في حصار قرى سورية فيها مدنيين وينخرط شبابه بقوة التزاماً بقرار حاسم سياسي وشرعي، محلي واقليمي، بالمشاركة في القتال في سوريا، وكأن "حزب الله "وهو ينخرط في الحرب السورية طرفاً الى جانب النظام، يخوض أيضاً معركته الداخلية اللبنانية، فلم يترك "شأناً لبنانياً داخلياً إلا وجيّره لضرورات معركته السورية والإقليمية، الى إنخراطه في إطلاق مواقف ضد دول عربية وخليجية، وهو وإن كان يبرر مواقفه ويسوّغها لأهداف تنسجم مع سياسته والتوجهات الإيرانية، إلا أن عودته الضيقة المحصورة بالقوة الشيعية وإنخراطه في الصراع الشيعي السني، بالرغم من رفضه الإتهامات الموجهة اليه، رفع بذلك كل التضامن والإجماع الذي تكتل يوماً حوله في معركته ضد الاحتلال الإسرائيلي.

نسأل "حزب الله" إلى متى يستمر سقوط الشباب، وهل من أمل في العودة الى الحاضنة اللبنانية؟ والى أن تظهر التسويات في الحرب السورية، سنسأل، كيف سيرمم صورته؟ ونقول، كفى نزفاً لما تبقى من وطنية لبنانية!

ibrahim.haidar@annahar.com.lb
twitter: @ihaidar62

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard