شهداء الصحافة: ملفات كالجرح الملتهب، القاتل الجبان فرّ... والحرية مشعل أبدّي

6 نوار 2016 | 10:22

المصدر: "النهار"

ملفات قتل متراكمة، متعاقبة، متقيّحة، كالجرح الملتهب. 25 على الاقل خلال 89 عاما (1916-2005)، ذُيِّل معظمها بجملة واحدة: "التحقيق لم يتوصل الى نتيجة"! القاتل النذل افلت اذًا من العقاب، هازئا. والقذارة بعينها فراره، حتى بعد محاكمته وادخاله السجن، في حالة استثنائية، كما حصل في احد الملفات. على الارض، دماء 25 صحافيا استشهدوا قتلا، على المشنقة، بالرصاص، بالتعذيب والخطف والتشويه، بالتفجير، وبعضهم وقف وجها لوجه امام قاتله... ويصرون على المطالبة بالعدالة، حتى لو بعد زمن طويل.

"نحن ابناء الاولى..."
"عند الرابعة فجرا، كان كل شيء انتهى". قبل قليل، كانوا ينشدون، يهتفون بحماسة في "دائرة البوليس".عند حبل المشنقة، رفع عمر الصوت: "اموت غير خائف ولا وجل فداء الامة العربية، فليسقط الاتراك الخونة، وليحيا العرب". وعندما جاء دور عبد الغني، قال "بصوت جهوري": "الدول لا تبنى على غير الجماجم، وستكون جماجمنا اساسا لاستقلال بلادنا"(1).

في الساعة الاخيرة، كلٌ قال ما لديه بجرأة، عاليا. "حبذا الموت في سبيل الوطن!"، "نحن ابناء الاولى، شادوا مجدا وعلى"(1). 6 ايار 1916. 7 صحافيين أُعدِموا معاً وتباعا، شنقًا (الى جانب 7 آخرين)، بأمر من والي الشام العثماني جمال باشا "السفاح"، في "ساحة الاتحاد" المعروفة لاحقا بـ"ساحة البرج" او "ساحة الشهداء". "الجرم" سياسي: "التواطوء" ضد السلطنة العثمانية،وعقابه الاعدام. اما في معيار اؤلئك الرجال البسلاء، "نموت فدى عن لبنان وعن حياته"... "فداء الامة العربية".

في السجلات، الشيخ أحمد حسن طبارة (صاحب جرائد"الاتحاد العثماني، "الاصلاح"، "الائتلاف العثماني" و"الحضارة")، سعيد فاضل عقل (صاحب جريدة "صدى المكسيك")، عمر حمد (شاعر وصحافي في جريدتي "المفيد" و"الاصلاح")، عبد الغني العريسي (صاحب جرائد "صدى المفيد"،"الفتى العربي"،"لسان العرب"، و"المفيد")، الامير عارف الشهابي (صحافي في جريدة "المفيد")، باترو باولي (مدير جريدة "الوطن" ورئيس تحرير جريدة "المراقب")، جرجي حداد (صحافي في جريدتي "لبنان" و"الرقيب"). وﻓﻲ 5 حزيران، لحق بهم الشيخان فريد وفيليب الخازن (صاحبا جريدة "الأرز").

قتلة احرار... "يا كلب يا جبان"!
في هواء لبنان، امكن شمّ رائحة كريهة لـ"تعاقد جهنمي"، بتعبير الاستاذ الكبير غسان تويني. الجمهورية لم تكن مرتاحة. بعد اقل من نصف قرن، تحركت اليد الوسخة لتعاقب مجددا. في الأولى والنصف فجر 8 أيار 1958، اغتيل مؤسس جريدة "تلغراف بيروت" الصحافي نسيب المتني بخمس رصاصات، اخترقت إحداها قلبه، ليخرّ صريعاً، بعدما صرخ في وجه قاتله: "يا كلب، يا جبان".
كان المتني معروفا "بجرأته وعناده" ومواقفه القوية. "كان معارضا شرسا لعهد الرئيس كميل شمعون"، يتذكر نقيب الصحافة السابق محمد بعلبكي(2). يومذاك، اشعل اغتياله تظاهرات واضرابات ومواجهات عنيفة في مختلف المناطق. ومع ان شبهاتحامت آنذاك حول تدبير أنصار للرئيس شمعون الاغتيال، الا ان معلومات ترددت لاحقاً عن وقوف مخابرات (وزير الداخلية السوري) عبد الحميد السرّاج وراءه لإشعال الثورة ضد شمعون.

رسالة ثانية وجهت في غضون اربعة اشهر. في 19 ايلول 1958، اغتيل الصحافي في جريدة "العمل" الكتائبية فؤاد حداد، الملقب "ابو الحن"، اثر خطفه بعد خروجه من وزارة التربية. بعد "هدوء" اعوام قليلة، سُدِّدت ضربة جديدة مساء الإثنين 16 أيار 1966. "كان صاحب صحيفة "الحياة" كامل مروه يداوم كالعادة في مكتبه في الطبقة الثالثة (في مركز الجريدة في محلة "الغلغول" خلف "التياترو الكبير"). دخل عليه عدنان سلطاني بحجة تسليمه رسالة خاصة. وما ان صار وحده وجها لوجه معه، حتى استل مسدسا واطلق عليه النار، بينما كان مروه يحاول المقاومة بقذف الجاني بالتلفون الذي كان يستعمله عندما دخل عليه(1).
كانت التاسعة إلا خمس دقائق ليلا. وسقط مروه صريعا برصاصتين من مسدس مزود بكاتم للصوت اصابتاه في قلبه. و"القي القبض على الجاني فورا (وهو يهرب صوب البرج). وسجن... وباعترافه كان اداة مؤامرة "ناصرية"، لان "الحياة" كانت، على قوله، "المنبر الاول في حملة عداء ضد القومية العربية"(1).

مروه، "هذا الصحافي الذي "خلق للصحافة اللبنانية ثورة التجدد"، بتعبير تويني، "اغتالته "المخابرات المصرية، لأنه كان يعارض بشدة الرئيس المصري جمال عبد الناصر"، وفقا لبعلبكي(2). و"كان وقع اغتياله "سيئا". في النتيجة، احيل ثلاثة، سلطاني وشريكاه محمود الاروادي واحمد المقدم، على المجلس العدلي، اضافة الى ابرهيم قليلات "المرتبط بالنظام المصري". واستمرت المحاكمة حتى 15 آذار 1968. وقضت باعدام سلطاني والاروادي الفار. اما المقدم، فحكم غيابيا بالسجن 15 عاما. وتمت تبرئة قليلات من تهمة تحريض سلطاني على ارتكاب الجريمة.

العام 1969، اصدر الرئيس شارل حلو مرسوما بخفض حكم سلطاني إلى السجن 15 عاماً. بقي في سجن الرمل–بيروت حتى 1976، يوم فرّ منه بسبب اندلاع الحرب وتداعي نفوذ الدولة، ليصبح لاحقا أحد قياديي تنظيم "المرابطون"، بزعامة ابراهيم قليلات. في ت1 1991، اعتبر المدعي العام الاستئنافي في بيروت القاضي منيف عويدات أن عقوبة الإعدام والحكم الغيابي الصادرين بحق سلطاني بتهمة اغتيال مروه ساقطان بمرور الزمن.

"لن يُعرَف ابدا"
التاريخ نفسه، ولكن بعد عشرة اعوام بالضبط... 16 ايار 1976، كان دور رئيس تحرير "لوريان لوجور" ادوار صعب، ذاك الصحافي "الراكض ابدا وراء الحدث"، بوصف تويني. الحرب الاهلية بدأت: معابر، خطف، قتل على الهوية، وقنص. وعلى غرار سابقيه، قضى صعب بالرصاص، رصاص "قناص لن يُعرَف ابدا من كان، ولا لحساب من كان يصطاد"، خلال توجهه من الاشرفية الى مكتبه في الحمراء.

بعد مشانق الباشا، اصبح الرصاص "موضة" تلك الحقبة الزمنية للمعاقبة وتوجيه الرسائل. في 4 آذار 1980، وُجدت جثة صاحب مجلة "الحوادث" الصحافي سليم اللوزي في أحراج بلدة عرمون قرب مواقع للقوات السورية، بعد 9 ايام على اعتراض سبيله" عند الحاجز الرئيسي لقوات الردع السورية" على طريق المطار. هذا الصحافي"العريق" و"اللامع"كان عائدا الى لندن، بعدما جاء الى لبنان ليدفن والدته، رغم علمه بان ثمة خطرا يهدد حياته.

قتل، وشوّهه قتلته ببشاعة: "كان ملقى على بطنه، وفي مؤخرة الرأس طلق ناري حطّم الجمجمة ومزّق الدماغ. ذراعه اليمنى سلخ لحمها عن عظمها حتى الكوع، والأصابع الخمس سوداء نتيجة التذويب بالأسيد أو حامض الكبريت. كذلك، عثر على أقلام الحبر مغروزة بعنف داخل أحشائه من الخلف". في 24 شباط 1989، قضت محكمة الجنايات في جبل لبنان، برئاسة القاضي ميشال مدكور، بتجريم الفلسطيني محمد حسن اليتيم الملقب "أبو القاهر" بجناية خطف اللوزي فقط، وبوضعه في الأشغال الشاقة 5 سنوات.

اين المتهمان؟
انه الهزء الصريح بـ"حصانة" الصحافيين واقلامهم، انتقام من ايديهم ورؤوسهم. لم يكن لبنان شُفي بعد من صدمة اغتيال اللوزي، حتى تلقى ضربة اخرى بعد نحو 5 اشهر. في 23 تموز 1980، امطر مسلحون نقيب الصحافة رياض طه بوابل من الرصاص، في كمين نصبوه له قرب فندق "كونتيننتال" في الروشة، في طريقه من مقر النقابة الى الدوحة لمقابلة رئيس الحكومة المستقيلة سليم الحص. وفي تقرير الطبيب الشرعي، "اصيب النقيب بـ6 رصاصات من النوع المتفجر، اخترقت الرأس والعنق والصدر، واحدثت فجوات، وكلها كانت قاتلة"(3).

احيلت الجريمة على المجلس العدلي، في وقت القي القبض على رجلين من آل الموسوي، واصدر شباب آل الموسوي بيانا ينفون اي علاقة لهم بالاغتيال. في 13 ت2 1995، انسحب النائب المحامي سعود روفايل من الدعوى، وحلّ مكانه محاميان دفاعاً عن المحكوم عليهما غيابياً خليل عباس الموسوي وعبد الإله محمد الموسوي. أرجئت المحاكمة في هذه القضية الى أجل غير مسمّى رهن أمرين: استسلام المحكوم عليهما، أو القبض عليهما لمحاكمتهما وجاهياً، قبل سقوط العقوبة بمرور الزمن.

عثمانية، ناصرية، سورية، اسرائيلية، وحتى لبنانية، او غيرها. تعددت تلاوين تلك اليد الوسخة، وكانت النتيجة مزيدا من الصحافيين الشهداء. يحي الحزوري (جريدة "اللواء"-عضو في حزب البعث العربي الاشتراكي) في 29 آب 1980. رئيس تحرير "الفهرست" سمير عاصم الشيخ في 9 تموز 1985، مع زوجته وولديهما في منزلهم في رأس بيروت. رئيس تحرير "النداء" الكاتب الشيوعي سهيل طويلة في 24 شباط 1986: "خُطف من منزله، بعيد عودته من الجريدة. ووجدت جثته (24 شباط) في محلة النورماندي في بيروت، حيث مكب النفايات الخاص بالعاصمة". في التقرير الشرعي، ظهرت على جثته "آثار تعذيب شديد مع حروق مختلفة، اضافة الى 6 رصاصات في عنقه ورأسه، مما ادى الى قلع عينه اليمنى. نفذت الرصاصات من مقدم الرأس الى مؤخره، ومزقت السحايا الدماغية وأدت الى الوفاة سريعاً".

في اللائحة ايضا، الصحافي حسن فخر (15 حزيران 1986) الذي اغتيل بقذيفة صاروخية أطلقت على سيارته على طريق بشامون- دير قوبل. رئيس تحرير "مجلة بيروت" حسن بزون (22 شباط 1987). الكاتب الشيوعي مهدي عامل (18 ايار 1987). القيادي الشيوعي رئيس تحرير مجلة "الطريق" حسين مروة (17 شباط 1987). في ذلك اليوم، "دخل عليه حامل مسدس بكاتم للصوت في منزله، وارداه".

"نسر" شهيد... و"هدر دم"
رغم وعود مرحلة "الطائف" بالاستقرار والامان، استمرت رسائل الاغتيال في الوصول... وبابشع الوسائل. في 15 ك2 1992، اغتيل الكاتب والصحافي مصطفى جحا المعروف بمواقفه المناهضة للنظام السوري و"ولاية الفقيه" بإطلاق مسلحين النار عليه، فيما كان في سيارته قرب منزله في السبتية.

من بعد ذلك، أخفى "الوحش" شراهته على القتل مكرها طوال 13 عاما... حتى 2 حزيران 2005، يوم اغتيل محرّك "انتفاضة الاستقلال 2005" مطلق هذا الشعار، الصحافي في "النهار" سمير قصير، في انفجار داخل سيارته في الأشرفية. واكمل انتقامه بالنيل من "نسر النهار"، جبران تويني، صباح 12 كانون الأول 2005، في تفجير استهدف سيارته في المنطقة الصناعية في المكلّس. فقتل على الفور مع مرافقيه اندريه مراد ونقولا الفلوطي. "صاحب قسم الاستقلال الشهير" اصبح شهيدا كبيرا. وفي العام نفسه، غادر الجيش السوري لبنان (26 نيسان).

الى صحافيين "شهداء احياء" نجوا من محاولات اغتيال، بينهم صاحب جريدة "السفير" طلال سلمان (1984) والنائب مروان حماده (2004) والاعلامية مي شدياق (2005)، تشمل لائحة الشهداء مراسلين ومصورين صحافيين وعاملين في مؤسسات اعلامية سقطوا خلال الحرب وبعدها، لاسيما خلال العدوان الاسرائيلي المتكرر على لبنان، وفي تغطية اشتباكات حدودية مع سوريا واسرائيل في الاعوام الماضية.

انكفأت آلة الاغتيال. لكن تقارير لمراكز متخصصة سجلت تعرض صحافيين ومصورين لاعتداءات خلال عملهم الميداني، الى تهديدات وضغوط وطرد جماعي، وحتى "هدر دم"... كأن الامس هو اليوم. ومن المفارقات القوية، تعرّض الصحافي مصطفى جحا، نجل الشهيد مصطفى جحا، من محاولة اغتيال ليل 14 نيسان 2012، بعد 20 عاما على اغتيال والده. طارده مجهولون في طريق عودته الى المنزل، واطلقوا النار على سيارته... كما حصل مع والده. وعقد مؤتمراً صحافياً أعلن فيه إعادة فتح ملف اغتيال والده. انه من الملفات التي لم يتم التوصل فيها الى اي نتيجة، على غرار ملفات سابقة ولاحقة. "لا شيء".

رحلوا ولم يصمتوا. مشعل الحرية أبدّي لن ينطفىء، وسيبقى يؤرق قتلتهم.

(1)مقتطف دونه ميشال زكور نقلا عن شاهد عيان هو احمد ناصر، ونُشر ايضا في "البرق" (شباط 1919)- كتاب "البرج ساحة الحرية وباوبة المشرق"- دار النهار.
(2)مقابلة اجريت مع نقيب الصحافة السابق محمد بعلبكي ونشرت في جريدة "النهار" في 3/5/2006- ارشيف "النهار".
(3)جريدة "النهار"-عددها الصادر في 24 تموز 1980.

hala.homsi@annahar.com.lb 








فاهي حديديان .... تنظيم قطاع الصاغة ضروري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard