"حياة اديل" تحفة سينمائية في كانّ 66: ثورة عبد اللطيف كشيش تبدأ من الجنس

25 نوار 2013 | 16:18

المصدر: كانّ- "النهار"

"حياة اديل" لعبد اللطيف كشيش نزل كزلزال على رؤوس المشاركين في الدورة السادسة والستين لمهرجان كانّ (15 - 26 أيار). هذا الفيلم الذي يشارك في المسابقة خطف أنفاس كثر من المتفرجين طوال ثلاث ساعات، وهزّ مشاعرهم، ليلة عرضه للصحافة مساء الخميس الفائت، فبدا واضحاً انه من اقوى المرشحين للفوز بـ"السعفة الذهب"، وهو على الأقل، أكثر ما يستحق تلك الجائزة الى الآن والأقرب اليها، لولا وجود رادع واحد: المشاهد الايروتيكية بين البطلتين، التي قد تستفز مشاعر رئيس لجنة التحكيم ستيفن سبيلبرغ الرقيقة، المخرج الأميركي الذي لم تتضمن سينماه المحتشمة، أي مشاهد من هذا الصنف.

كشيش (53 عاماً)، هذا المخرج التونسي الفرنسي، الذي سبق ان نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية عن فيلمه "كسكسي بالسمك" (2007)، استوحى فيلمه الخامس من قصة متسلسلة لجولي مارو. انتهت عمليات وضع اللمسات الأخيرة على الشريط قبل ساعات قليلة من عرضه في كانّ (حيث يشارك فيه للمرة الاولى)، فاضطر المهرجان إلى ان يعرضه من دون جنريكَي الافتتاح والختام.
الحكاية بسيطة ومعقدة، حكاية مكبوتة الاحاسيس وتفيض بها في آن واحد: اديل (اديل اكسارشوبولس) مراهقة في الخامسة عشرة، تبحث عن هويتها الجنسية وتكتشف رغباتها. نراها في المدرسة مع رفيقاتها ثم مع عائلتها. الفيلم يتابع يومياتها، ويلتصق بها بمجموعة لقطات "كلوز اب" على وجهها، ويمشي خلفها "على الدعسة". بعد علاقة جنسية اولى مع شاب من عمرها، تكتشف انها تميل الى الفتيات، هذا كله في اطار بحثها عن وعيها الحسيّ واكتمال انوثتها. تلتقي من طريق المصادفة بفتاة، ذات شعر أزرق (ليا سايدو)، وتتعزز المعرفة بينهما عندما تلتقيها ثانية في حانة للسحاقيات، والنتيجة: علاقة غرامية يصوّرها كشيش بتفاصيلها الدرامية والنفسية والشهوانية والجسدية، ليبلغ في بعض اللقطات جماليات المنحوتات واللوحات التشكيلية، ولاسيما تلك التي تجمع اديل وايما في فراش الحبّ واكتشاف الذات والاخر.
اديل وايما، كلٌّ منهما تأتي من خلفية مختلفة عن خلفية الأخرى. اديل تطمح إلى ان تكون مدرّسة، والداها لا يتقبلان فكرة ان تحب فتاة، في حين ان ايما رسامة ومثقفة، ومن عائلة منفتحة. اللقاء بينهما صدمة على أكثر من صعيد. يعرف كشيش كيف يؤطر هذه الدراما الانسانية التي تجرف كل الأفكار المسبقة، كما انه يحسن التقاط النشوة الجنسية والاكتفاء العاطفي على الاجساد والشفاه.
الصحافة الفرنسية بدت متحمسة جداً تجاه الفيلم، فمنها ما ربطت النحو الذي صوّر فيه كشيش الوجوه بطريقة جون كاسافيتيس، وبعضها اعتبرته افضل فيلم راقب المجتمع الفرنسي منذ افلام جان رونوار وموريس بيالا. اياً يكن، شكّل عرض "حياة اديل" لحظة انفعال افتقدها المهرجان، وافتقدتها حتى الأفلام الجميلة التي عُرضت فيه (باستثناء "الجمال العظيم" لباولو سورنتينو). خضّ الفيلم الصحافة كلها، ما عدا بعض الصحافيين والنقاد العرب، الذين إما لم يبالوا بالفيلم وإما لم يشاهدوه وإما خرجوا منه وإما قرروا سلفاً ما سيكتبون عنه قبل دخول الصالة. بالاضافة الى شريحة منهم لا تستطيع اصلاً تناول مواضيع كهذه في صحف محافظة.
غداة العرض، كان لكشيش ولممثلتَيه اديل اكسارشوبولس وليا سايدو مؤتمر صحافي. ظلّ صوت كشيش خافتاً ولسانه عاجزاً عن التعبير عما يضمره الفيلم من لامرئيات، وخصوصاً ان الفيلم تجربة بصرية تُعاش ولا تروى. وجّه الصحافيون أسئلتهم الفضولية في شأن المشاهد الساخنة التي جمعت الممثلتين، فقالت ليا سايدو، وهي حفيدة مدير "باتيه"، بما معناه انها تتحمل الآثار النفسية لما قدمته في هذا الفيلم، وان كشيش جعلها تنسى الكاميرا لتجسّد دورها بطبيعية. وصرّحت بأنها تتشارك مع المخرج اشياء كثيرة، ورغبتها في العمل معه متأتية من انها كانت تريد ان تكون جزءاً من عائلته السينمائية.
اما اديل اكسارشوبولس، التي تستحق فعلاً جائزة أفضل تمثيل، فبدت مندهشة بوجودها في أكبر مهرجان سينمائي، وكشفت ان كشيش صوّر مئات الساعات من "الراشز"، ما يتيح له ان ينجز أكثر من فيلم واحد. وضحك الحضور عندما قالت بعفوية انها لم تكن تتوقع ان يركز الفيلم على موضوع المثلية الجنسية عندما شاهدته مساء الخميس، لكثرة المواضيع التي تم التطرق اليها خلال التصوير.
بالنسبة إلى كشيش، الرافض فكرة سينما النضال، كان التقاط الحسية اصعب في مشاهد تناول الطعام منها في مشاهد الجنس. طمأن الذين ارادوا وضع الفيلم في سياق سياسي، موضحاً ان المشروع ولد قبل التظاهرات المطالِبة بزواج المثليين في فرنسا. مع ذلك شدد انه لا يزعجه ان يخدم عمله قضيتهم. ورداً على سؤال عما اذا كان مستعداً لحذف بعض المشاهد كي يصبح عرض الفيلم في أسواق سينمائية معينة، كالأميركية مثلاً، مقبولاً، قال: "قد اتنازل عن أشياء صغيرة، كي لا افوّت عليَّ احتمال ان يُعرَض الفيلم، ولكن اذا كان الأمر يتعلق بمشاهد كاملة، فهنا سيكون القبول به اصعب بكثير"، مضيفاً ان المشكلة لن تكون حتماً مع أميركا بقدر ما هي مع "بلدان اخرى".
واشاد كشيش ايضاً بجيل اليوم الذي اعتبره اكثر حرية من جيله، في حين أنه، كتونسي الأصل، دافع عن اهمية الثورة التونسية، بيد انه قال ان الثورات على المفاهيم الجنسية لها دور ايضاً في تطوير المجتمعات.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard