"بوليتزر" التخييل لأبطال اللجوء

20 نيسان 2016 | 20:02

المصدر: "النهار"

تُقرّ جائزة "بوليتزر" للتخييل 2016 ومن خلال تكريمها رواية فييت ثان نغيين الإستهلالية "المُتعاطف"، بأن للولايات المتحدة الأميركية وجهاً "باسيفيكياً" يُطلّ على ملوحة المحيط الهادىء ويكاد يُشكّل صنوّ وجهها الأطلسي.
يحمل هذا الإعتراف الذي لم يفُت الكاتب الفيتنامي المكرّس الإشارة إليه - بعدما تآلف مع فكرة فوزه غير المُرتقبة - بُعداً يكاد يتخطّى المسألة الأدبيّة، فيأخذ في الحسبان أن عيون العالم تشخصُ في هذه الآونة تحديداً بآسيا، حاضنةَ مشروع اقتصاد المستقبل.
غير أن حصر الكلام بالشقّ الجيو- سياسي يحشر الرواية الصادرة بالإنكليزية لدى "غروف برس" في زاوية الإنتقاء المعدّ سلفاً ويحرُمها من قراءة متأنّية تستحقها. وإذا كنّا نجعل رواية فييت ثان نغيين تنتسب إلى وجهة هذا الزمن فلأكثر من سبب ولاسيما بسبب انشغالها بمأساة الإنتقال الجغرافي الجبري على خلفية الحروب، ناهيك ببحثها في الإنتماء القسري إلى عالمين.

وإذ يستحيل عام 1975 وهو تاريخ نهاية الحرب الفيتناميّة، مقدمة لبدء السرد فلأن خروج أحد العسكريين من البلاد، في تلك الأثناء، متوجّها إلى الولايات المتحدة الأميركية، سيصير مسألة ذات دلالة لا تنحصر بحيثيات الرحلة فحسب.
التوزّع الجغرافي فاتحة قصّ يقترض من التجسّس والحبّ ومفهوم الوطنيّة ويتولّى فَلشه راو مجهول الهوية معتقل في حياة مزدوجة. قصّ ينبثق من شهر نيسان الأكثر قساوة ذلك انه شهر "سقوط سايغون"، وفي تعبير الكاتب شهر "خسارة حرب استمرّت طويلاً".
الرواي رجل الذهنَين والوجهين، جاسوس يتكلّم ليقول "لستُ شخصا متحولاً يأتي من احد ألبومات الرسوم المصوّرة أو من فيلم رعب، على رغم أن البعض عاملني على هذا النحو. أستطيع وفي بساطة، أن أرى أي مسألة من الجانبين. أحيانا، أفخر بأن الأمر موهبة". موهبة لا يلبث أن يجزم المؤتمن عليها بأنها تستخدمه، عوضا من أن يستخدمها هو.

اقتنع مارتن لوثر كينغ بأن المجتمع العظيم كان من بين ضحايا حرب فيتنام وانه أُردي في ساحة المعركة الآسيوية. إستطاع رجل الحلم الأبهى مارتن لوثر كينغ، أن يعاينه، أحد المخفيين قسراً في قافلة على اكتظاظ.
كان المجتمع واحدا من بين هؤلاء المختطفين من التاريخ الذين طواهم النسيان على مرّ الأعوام في وسط تلك المُقاربات النمطيّة لحقبة حربيّة حاكها الخيال الهوليوودي في مغالاته ليتصوّرها لعبة بخسة محورها مجموعة من الأبطال الخارقين يحاربون الأشرار المحليين.
يجيء هذا النص ليروي ومن الداخل بعض الفروق الصغيرة في مضمار ما جرى السكوت عنه طويلاً.
يقول فييت ثان نغيين إن روايته اعتراف نابع من شخص فيتنامي ويوجّه إلى مواطنه الفيتنامي الآخر. لا بدّ ان في الكلام صوابيّة لكنه يضع المؤلّف في مكان إرتآه كاتبه، وهو أضيق وبلا شكّ، من المكان الذي يبلغه نصه وأي نص سواه، حين يخرج من الخيال إلى الورق.
أؤتُمنت الرواية على قدرة بلوغ الأماكن الهَشّة في نفوس المُبعدين من فضاءاتهم الأولى. وعلى وقع مآسي المهاجرين راهنا، لا بدّ من التقرّب من حكاية الحرب الفيتنامية الحديثة هذه عبر التعاطف وإجراء المقابلات العفويّة.
لن يؤذي النصّ المتهمل حيناً عند "ناس القوارب" في القرن الماضي، أن ننظر إليه بعين اللحظة المُلتهبة، وربما نقدّم له خدمة نفيسة حتى.

 

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard