ألبر المصدوم يعيش في الشارع منذ سنين... يجب أن نساعده!

20 نيسان 2016 | 10:31

المصدر: "النهار"

كم يصعب علينا عرض أحداث أعوام طويلة قضاها هذا الإنسان وحيداً ومشرّداً في سطور، والأصعب أن نبقى متفرجين غير آبهين بمعاناته ومأساته والظروف المتردية التي يعيشها. رجل سبعيني، يتنقل بين أرصفة أحد شوارع الحمرا منتقماً من واقع لم يعامله بغير الاحتيال والظلم، ولم يعالجه بغير الإحباط والكآبة فالاستسلام!

من يستمع إلى قصة أديب ميشال القسيس المعروف بـ "ألبر"، يتخيّل للوهلة الأولى أنه يشاهد فيلماً درامياً، إلا أنه يتبيّن لنا لدى زيارة "النهار" ألبر في إحدى أمكنة شارع الحمرا، والتحدّث معه عن حياته، أنه عاش حلقات مسلسل من الصدمات تلقاها من قريبين وبعيدين، دمّرت حياته، وجعلته يتمسّك بالشارع دون سواه بدل أن ينزل مكرّماً في إحدى المؤسسات الإجتماعية المحترمة.
"أنا مسيّر مش مخيّر في حياتي... وأكيد كلمة بتغني عن عشرة بتعرفكن عنيّ". بهذه العبارات، يستقبلنا ألبر، مفترشاً الرصيف، لا يكترث إلى شيء في الحياة، ولا يُولي اهتماماً بصحته، نظافة جسده، ملابسه، مأكله ومشربه، "تكفيني خبزة حاف نعمة كبيرة".

يخبرنا البر أنه من منطقة الجميزة في بيروت، لديه شقيق خارج البلاد، ووالدته من عائلة الفاخوري في صيدا، ويقول: "ترعرعت وسط عائلة ضعيفة ومُفككة، عشت سنين الحرب بكل مآسيها، وكنت أحب القراءة، أجمع الكتيّبات، المجلدات والصحف من بينها "النهار"وغيرها"، دُمّر منزلنا أثناء الحرب وفقدت أهلي وصرت وحيداً...".
تعرّض البر لسرقات عدّة وتلقى نصيبه من أبشع أنواع الاحتيال والسلب، يقول: "حتى صرت في حال لا معلّق ولا مطلّق، وبدي حدا يحل ويربط". ماذا حصل معك؟ يجيب  بطريقته: "أنا رايح بالمغليطة والعونطة"، ويضيف: "تحايل عليّ أحد أقاربي حين اصطحبني معه إلى أحد أصحاب مكاتب العقارات على طريق عين الحلوة، وتآمر وكاتب العدل عليّ وأجبراني على توقيع قطعة أرض تملكها خالتي كانت كتبتها لي قبل وفاتها، وكانت تقدّر آنذاك بـ80 مليون ليرة، استفرد بي كاتب العدل واستغلني بطريقة بشعة وتواطأ عليّ".

موجود في الشارع حتى...
نعجز عن وصف الوضع الذي يعيشه البر على شتى المستويات. وعندما نسأله عن إمكان إيجاد مكان بديل يليق به كإنسان، وأن من حقه أن يقطن تحت سقف محترم ويتلقى الرعاية الصحية، الاجتماعية والنفسية المناسبة، سرعان ما يجيب: "أنا موجود هنا ولا أخرج من الطريق قبل استعادة حقوقي المسلوبة من كثيرين، ومتى تحقق ما أريد عندئذٍ نبحث في الأمر، أنا مرتاح هون بس بدي أسمع مرة بحياتي في عنا دولة بتحصّلي حقوقي".

وللوقوف على حقيقة ما حصل مع البر، تواصلت "النهار" مع أحد مخاتير صيدا، فاستغرب أن يكون ألبر لا يزال على قيد الحياة، لأنه لم يعد يراه منذ زمن بعيد، وتذكّره عندما كان يتردد إلى محله ويشتري منه الصحف منذ أكثر من عشرين عاماً. ويقول: "يا للأسف، المعلومات التي قالها لكم البر عما حصل معه من احتيال وسلب صحيحة، وهذا الأمر أوصله إلى الوضع المأسوي الذي يعيشه".

وزارة الشؤون ستتولى القضية
في هذه الحال، ما هو دور وزارة الشؤون الإجتماعية؟ وهل تملك صلاحيات تخوّلها إخراج البر من الشارع؟

تؤكد رئيسة دائرة الرعاية الإجتماعية المتخصصة في وزارة الشؤون الإجتماعية خديجة ابرهيم لـ"النهار" ان "دور الوزارة لا يخوّلها اعتماد أساليب الضغط والقوة لإخراج أحد من الشارع، لكن حين نبلّغ من مواطنين على الخط الساخن على الرقم 1714 عن حالات من هذا النوع مع تحديد المكان، عندها نتحرّك ضمن نطاق صلاحياتنا المحدودة، وبالتنسيق مع مراكز الخدمات الإنمائية المنتشرة في المناطق اللبنانية حيث يعمل كل مركز ضمن النطاق الجغرافي الموجود فيه". وتتابع: "تزور المساعِدة الإجتماعية الشخص المشرّد وتعاينه وتعد تقريراً مفصلاً عن حالته وتقدما قتراحاتها، وعلى ضوء تقريرها تُدرس الحالة التي على اساسها نُلحق المشرّد بمؤسسة خاصة تناسب أوضاعه، القانونية، الصحية، النفسية الخ...". وذكرت أن ثمة حالات تُحوّل إلى وزارة الصحة لعدم مطابقتها معايير عمل وزارة الشؤون.
في ما خص حالة البر الذي يرفض دخول أي مؤسسة رعائية؟ تجيب ابرهيم: "سترسل الوزارة مساعدة إجتماعية تعاين وضعه، ربما من خلال اسلوبها الخاص تستطيع اقناعه بالتجاوب معها فنلحقه فوراً بمؤسسة، وإذا رفض وارتأينا أن ثمة حاجة ملحة لنقله من الشارع سنحاول مع جمعية "رسالة حياة" علّها تفلح في إقناعه".

ورداً على سؤال، إذا كان ثمة تصرفات غير لائقة تحصل في الشارع، تجيب: "بناء على شكوى يتقدم بها أحد المتضررين نتيجة تصرفات معيّنة قد يقوم بها البر في الشارع، تُبلغ النيابة العامة وبدورها تتحرّك مع صاحب الشكوى إلى حين إيجاد مؤسسة خاصة"، متسائلة: "أين البلديات ودورها الصحي والإجتماعي؟ ينبغي عليها توفير مراكز صحية ومستوصفات والاهتمام بهذه الحالات".

قاعي: وقع الصدمة قوي جداً
كيف تفسّر أليانا قاعي، المعالجة النفسية التحليلية والسلوكية المعرفية، هدف البر في نيل حقه كخطوة أولى قبل خروجه من الشارع؟ تشرح: "الصدمة عادة هي حالة من الأذى قد تؤدي إلى اضطرابات في المشاعر وتصيب صاحبها بعدم توازن، وغالباً ما تؤثر هذه المشاعر على ذهنه وجسده طبعاً بحسب نوع الصدمة". وتضيف: "إذا كانت ناتجة من إنسان آخر يكون أثرها أقوى من صدمة حصلت جراء زلزال أو كارثة طبيعية".

وعن حالة البر، تقول: "ربما الحادثة التي رواها لكم، فجرّت أو أيقظت فيه حوادث أخرى يصعب عليه نسيانها، وثمة احتمال أن تكون هذه الصدمة ترسّخت فيه مع شعور مستمر بالتهديد ما يولّد فيه أمراضاً نفسية عدّة".
وتعتبر قاعي أن وطأة الصدمة على البر كانت قوية جداً، "لذلك هو يعيش في حالة حداد على نفسه، ولا يريد أن يتخلّص من هذه الحالة". وماذا ينتظر في الإصرار على بقائه في الشارع؟ تجيب: "لكونه تعرض لصدمة، هو يتجنّب إقامة علاقات مع الآخرين ويُفضّل العزلة من خلال افتراش الشارع وعدم التخلي عنه، وهذا يدلّ الى مرض أو هلوسات معيّنة، أو هذيان أو مجرّد استسلام في انتظار الموت أو الانتحار البطيء".

[email protected] 
Twitter: @NicoleTohme

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard