عن أبارتيد الولادة في اسرائيل

16 نيسان 2016 | 14:28

المصدر: "النهار"

في دولة الفصل العنصري اسرائيل يبدأ إقصاء الفلسطينيين حتى قبل ولادتهم. ليس التعبير مجازياً أو إنشائياً، لكنه توصيف دقيق لواقع التمييز الإقصائي اليومي في كل مجالات الحياة من لحظتها الأولى.
قبل أسبوع كشفت الإذاعة الاسرائيلية أن مستشفيات في القدس وتل أبيب وكفر سابا تفصل بين النساء الفلسطينيات والاسرائيليات في عنابر الولادة.
وحيال الضجة المثارة، نفت المستشفيات تلك الممارسة. ونقل مراسل صحيفة "الموند" الفرنسية في القدس عن إدارة مركز هداسا الطبي الذي يحمل اسم منظمة صهيونية نسائية قامت في نيويورك عام 1912، أن "المؤسسة مثالٌ في ما يتعلق بالعيش المتشرك بين اليهود والعرب والعناية بالمرضى والممارسة الطبية". لكن ذلك الإنكار شكلي وواهٍ ويلعب على وتر المساواة في الحقوق أمام قارئ غربي، ذلك أن تقرير الإذاعة الاسرائيلية الذي أوردته "معاريف" وسواها من الصحف، نقل عن المستشفيات بأن الفصل ممكن لو طلبت نساء ذلك.
وقطع عضو الكنيست عن "البيت اليهودي" بتسلئيل سموتريش الشك باليقين حيال تلك الممارسة بموقف وقح. إذ كتب على حسابه الرسمي على "تويتر" :"زوجتي ليست عنصرية، لكنها تحتاج الراحة بعد الولادة، بخلاف الحفلات الجماعية المعتادة لدى الأسر العربية". وأضاف في تغريدة لاحقة :"من الطبيعي ألا ترغب زوجتي في الرقود إلى جوار امرأة أنجبت للتو طفلاً قد يقتل ابننا بعد عشرين سنة".
ولم تكن زوجته بأقل عنصرية منه وقد نقل عنها التلفزيون أن "نقاوة الولادة" شديدة الأهمية بالنسبة إليها، فهي ترفض أن يضع مولودها طبيب غير يهودي أو أن تلمسه أيد عربية في "تلك اللحظة الطاهرة"، مع العلم أن عشرة في المئة من الأطباء في اسرائيل من عرب 48، وبعضهم من أبرع الجراحين.
هكذا إذاً، المولود الفلسطيني، في نظر هذا النائب الاسرائيلي المتطرف، مجرمٌ حُكماً، بينما طفله "النقي" هو الضحية. لكن من المرجح جداً، بحسب ما يشي تاريخه، أن ينمو ابنه ليصير جندياً أو آلة حرب يقتل بدم بارد طفلاً بين ذراعي والده كمحمد الدرة أو يحرق رضيعاً حياً مثلما كان مصير علي الدوابشة. كل ذلك وارد جداً، فسموتريش رفض وصف الجريمة التي استهدفت تلك الأسرة في منزلها بأنها عمل إرهابي وذهب إلى تبريرها بأعذار واهية.
وربما يدخل ابنه عالم السياسة على خطاه ويُساهم في سن تشريعات عنصرية تطوق الفلسطينيين حياتياً إلى الحصار الجغرافي في جدار الفصل والحواجز وقضم الأراضي وإتلاف المحاصيل الزراعية، كما فعل هو باقتراحه إنزال عقوبة الإعدام بالناشطين الفلسطينيين الذين ينفذون عمليات.
وليس سموتريش طائراً يغرد خارج سرب حزبه وزملائه، لكنه بخلافهم، أسقط قناع الديبلوماسية والعبارات المنمقة بعدما حاول حزبه الالتفاف على آرائه وتصويرها على أنها فردية ولا تعكس سياسة رسمية نظراً إلى كونه نائب رئيس الكنيست. وأظهر استطلاع للرأي نشرته الإذاعة الاسرائيلية أن 41 في المئة من الاسرائيليين يؤيدون الفصل في المستشفيات، ومعظم هؤلاء من اليهود المتشددين دينياً، وممن يقترعون للأحزاب اليمينية.
وتلقف إلياكيم لبانون، حاخام المجلس الإقليمي لمستوطنات الضفة الغربية، الموقف، مُقراً، لا بل متباهياً، بأن سموتريش يمثل رأي الغالبية الساحقة من الاسرائيليين. وقال :"هؤلاء العرب يحملون في رؤوسهم وجيناتهم العنف، فالعنف في الشارع العربي هو الأكبر في العالم، ومن يتجاهل ذلك كمن يدفع رأسه في الرمال". وأضاف :"من يقول إن العقلية اليهودية والعربية واحدة، وكذلك الحياة اليهودية والعربية، يُنكر الواقع"، مكرراً رأي سموتريش بأن النساء العربيات يسببن "الضوضاء" في المستشفيات. وما يسميه ضوضاء ليس إلا مظاهر الاحتفاء الحياة والانتماء إلى الأرض والوطن.
ودان النائب أحمد الطيبي تلك الممارسة الإقصائية التي تقضي على المساواة في الحق بالرعاية الطبية، واضعاً الأمر في إطار "امتداد للروح العنصرية السائدة في اسرائيل" التي بلغت الكنيست نفسها حيث سُن قانون يمهد الطريق لطرد الأعضاء العرب ومطاردتهم كلما كان لهم موقف يتعلق بما بقي من الحقوق الفلسطينية المسلوبة. وهو دعا وزير الصحة الاسرائيلي يعقوب ليتسمان إلى التدخل للتصدي تلك الممارسات المحظورة بموجب قانون منع التمييز في الخدمات والمرافق العامة الذي أُقر عام 2000. لكن لو أوقفت في المستشفيات، هل تزول من الفضاءات العامة الأخرى؟
صار هناك باصات لا تسمح للفلسطينيين بركوبها لتفادي الاختلاط في النقل العام، في استعادة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وممارسات الإقصاء في ولايات أميركية قبل حركة الحقوق المدنية.
وفي تقرير لشبكة "إعلام الإخبارية" الفلسطينية أن معهد تخنيون الجامعي في حيفا يفصل بين الطلاب في المهاجع، ويبرره بأنه يهدف إلى تفادي "الاحتكاكات" بين الجانبين، وأنه اختيار طوعي للطلاب، ومعظمهم من اليهود بطبيعة الحال.
وكشفت النائبة في الكنيست عايدة توما أن الفصل العنصري صار مُكرساً في مناطق عدة في اسرائيل حيث هناك 940 مدينة أو تجمع سكني يُمنع الفلسطينيون من السكن فيها أو زيارتها. والفرز الإقصائي يمتد إلى الجهاز التعليمي في أراضي عرب 48، والحبل على الجرار، كل يوم، لا بل كل ساعة.
إنها دولة الأبارتيد القائمة على أسطورة "النقاء" والتطهير والاحتلال. إنها دولة هتلرية بامتياز!
[email protected]
twitter : @SawssanAbouZahr

 

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard