ذكرى 13 نيسان: ذكريات "القصر"... وكلام كاد يفجر حربا من نوع آخر

12 نيسان 2016 | 16:44

المصدر: " رويترز"

  • المصدر: " رويترز"

اعدت وكالة "رويترز" تقريرا عن الحرب الاهلية في لبنان، في الذكرى الـ41 لاندلاعها في 13 نيسان 1975. وقصدت "القصر" في الجنوب، او ما يعرف بـ"قصر سالم"، الذي شهد اشرس المعارك طوال 6 اعوام. هناك تذكر الرفاق رشيد وسمير وربيع الليالي الطويلة التي امضوها في قصف القصر. وكان هناك ايضا طوني، المقاتل المفتخر من الجبهة المقابلة الذي كاد كلامه، على مسمع من سمير، يفجر حربا من نوع جديد. وهنا التقرير:

في الاعوام الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية، بين 1985 و1991، كانت قرية كفرفالوس خط تماس ملتهبا بين مدينتي صيدا وجزين. وكانت تعتبر محاور قتال بين مقاتلي الاحزاب الوطنية اللبنانية والفلسطينية من جهة صيدا، وبين مقاتلي "جيش لبنان الجنوبي" الذي أنشأته اسرائيل، بقيادة انطوان لحد من جهة جزين.

بداية المعارك التي استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة الصاروخية والمدفعية والرشاشات شارك فيها مقاتلون من حزبي "الكتائب" و"القوات اللبنانية" الى جانب قوات لحد. واستمرت المعارك ست سنوات. احد المواقع الرئيسية لجيش لحد كان عبارة عن قصر حصين مبني بالحجر الصخري، ويعود الى أحد أثرياء المنطقة (نقولا سالم).

اليوم، وبعد مضي أكثر من 30 عاما على تلك الحرب، صار الموقع "القصر" مهجورا. لكنه لا يزال يحتفظ باستحكاماته الاسمنتية وتحصيناته من متاريس وبراميل مليئة بالتراب. وتحوّل الى مكان يصطحب اليه المصورون العرسان لالتقاط صور ما قبل الزفاف أمام خراب المبنى. كذلك يقصده أهل المنطقة للتنزه والشواء في باحته الواسعة.

قبل أيام، زاره كل من رشيد وسمير وربيع (وهم مقاتلون سابقون ينتمون إلى الحزب الديموقراطي الشعبي - تنظيم شيوعي- طوال الاعوام الستة)، بصحبة اولادهم لاطلاعهم على الجبهة التي كانوا يحاربون فيها، وتحديدا "قصر سالم" الذي كانوا يتولون قصفه من موقعهم المقابل في قرية عين المير من على بعد 1200 متر بمدفع سوفياتي من طراز "بي. 10"، ومدفع هاون عيار 82 ملم، وأيضا بواسطة رشاش "دوشكا".

تفاجأ المقاتلون السابقون الثلاثة بدقة اصاباتهم، عندما وجدوا ان عشرات الاسطوانات المتبقية من قذائفهم لا تزال عالقة بجدران الموقع، وبعضها اخترق الى داخل استحكاماته وغرف منام الجنود فيه. شرعوا بالتقاط الصور الى جانب بقايا قذائفهم، وبدأوا بتجميعها للاحتفاظ بها كذكرى من تلك الحرب التي انخرطوا فيها بعمر الـ 17 عاما، وقد اصبحوا اليوم على مشارف الخمسين.

مشطوا القصر بطبقاته الثلاث، بحثا عن ذكرى. فلم يجدوا الا رصاصا فارغا أكله الصدأ، وبراميل مهترئة كانت في ما مضى تحمي "العدو" من قذائفهم. وسروا كثيرا عندما وجدوا صناديق ذخيرة خاوية ومخلعة عليها كتابات بالعبرية، وحمل احداها رشيد (أصيب خلال عملية تسلل بانفجار لغم أرضي إسرائيلي جعله يلبس ساقا بلاستيكية وعينا زجاجية): "هذا أكبر دليل على انها لم تكن حربا أهلية بين لبنانيين... كانت حربا بين وطنيين واحتلال أجنبي".

يوافقه سمير الذي كان من أمهر رماة المدفعية: "لم نكن مقاتلين مسلمين نقاتل مسلحين مسيحيين. والدليل انه كان معنا في صفوفنا رفاق مسيحيون. وفي جبهة العدو، كان الجنود خليط بين مسلمين ومسيحيين. واصلا نحن علمانيون، لا ننظر الى الانسان وفقا لتصنيفه الديني او الطائفي"، يقول بينما يشحذ قوته لتخريب احدى الدشم على سطح الموقع.

اما ربيع، فكان منشغلا بنزع اسطوانات القذائف العالقة بجدران القصر كالسهام. "كنا نقصف هذا الموقع يوميا بقذائف "بي. 10". وكنا على ثقة بأننا نصيب أهدافنا. لكنني اليوم مصدوم من دقة إصاباتنا. لقد تمكنا من إدخال بعض تلك القذائف داخل طاقات الاستحكامات... حتما قتلنا الكثير منهم".

على مسمع من اولادهم، مضى الثلاثة يتفقدون الفجوات التي خلفتها قذائفهم في المبنى، وكذلك آثار طلقات "الدوشكا". وجمعوا 16 اسطوانة قذيفة وعددا من فراشات قذائف الهاون، مستعيدين أيام القتال ولحظات الخسارة والربح والخوف والشجاعة والحراسات الليلية والكمائن تحت شجر الزيتون والتسلل وزرع العبوات.

طوني المفتخر
وللمصادفة، كان في باحة القصر شخص يشوي اللحم ويشرب العرق مع عائلته وأصدقائه. انه طوني الذي شده الحنين الى المكان، فاعتلى احدى استحكامات القصر، وراح يشرح لمن معه بكثير من الافتخار: "خدمت اعواما في هذا الموقع مع الجيش الجنوبي، وصددنا أكثر من محاولة تسلل لميليشيات الاحزاب والفلسطينيين... لقد قتلنا منهم، وجثث بعض قتلاهم بقيت معنا".
يشير طوني بيده الى الموقع الذي كان رشيد وسمير وربيع يخدمون فيه. "كنا نتعرض لقصف من هذا الموقع. وكنا نرد بقصفه بمدفعية الدبابة ونسكته. وأكثر من مرة، شبّت النيران في ذلك الموقع".

كلام طوني الذي كان على مسمع من سمير كاد يفجر حربا من نوع جديد. فالاخير امتعض من تفاخر طوني بالتعامل مع اسرائيل. لكنه تمالك اعصابه وامتنع عن الرد. "كلما قصفناهم، كنا نسمعهم على جهاز اللاسلكي وهم يناشدون قيادتهم إسنادهم بمدفعية الميدان لإسكات مدفعنا".

طوني قال لـ"رويترز" انه قاتل إلى جانب الاسرائيليين عن اقتناع. "لو لم نقاتل في كفرفالوس، لاحتل الفلسطينيون بيوتنا، وذبحونا واستوطنوا مكاننا". ويروي بعض ذكرياته عندما كان جنديا في هذا القصر. "أصبت بشظايا قذيفة مرتين، ونجوت من الموت، وعدت الى الحراسة في القصر. كانت تمر علينا ليال صعبة، خصوصا عندما كنا نكتشف تسلل العدو ووصوله على بعد عشرات الأمتار من دشمنا (استحكاماتنا). كذلك خسرت اثنين من أغلى الاصدقاء استشهدا بانفجار عبوة على طريق القصر".
قال أيضا إنه ليس نادما على اعوام من شبابه قضاها بين المتاريس والاستحكامات: "لست نادما، لأنني كنت مضطرا الى الدفاع عن أرضي وأهلي ضد الغرباء. لكنني ناقم على الاسرائيلي الذي تركنا وسط المعركة وانسحب".

كانت الشمس تقترب من الأفق لتغوص خلف البحر، والظلام يستعد للهبوط. افترق الفريقان، من دون أن يتواجها أو يبوحا بما يحمل أحدهما تجاه الآخر من حقد وضغينة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard