عن الفتيات والنساء المنسيات في غياهب "بوكو حرام"

12 نيسان 2016 | 15:20

المصدر: "النهار"

سنتان في قبضة المجهول، ولا يُعرف شيء عن مآلهن إلا شهادة من هنا أو رواية من هناك. الرهائن الأخريات قد يجدن منفذاً للفرار من مصير كل الخيارات المتاحة فيه قاتمة، فإما العبودية الجنسية أو التجنيد في عمليات انتحارية. أما هُن فالورقة الرابحة التي يُساوَم عليها حتى النهاية.
العالم تبنى قضيتهن منذ خطفهن من مدرستهن في منطقة شيبوك في نيسان 2014. من ميشيل أوباما إلى سلمى حايك، رفع الجميع في مواقع التواصل الاجتماعي راية المطالبة باستعادتهن. وربما، لذلك، لم يعُدن بعد.
يُخطئ من يظن أن عملية الخطف تلك كانت الوحيدة التي نفذتها جماعة "#بوكو_حرام"، فالرهائن بالآلاف. ونجح الجيش النيجيري أخيراً بعد الإغارة على عدد من معاقل الفصيل المتشدد في غابة سامبيسا في تحرير ألف امرأة وطفل كانوا احتُجزوا في عمليات عدة.
أقامت "بوكو حرام" إمارة عمادُها الخوف والبطش من دون كثير من الموارد، الخطف والتجنيد والفدية. وتقاعس الإعلام العالمي عن متابعة عمليات الخطف المتتالية تلك، لذلك يصعب إحصاؤها إلا ما رصدته جماعات مدافعة عن حقوق الإنسان. ففي تحقيق لـ"هيومان رايتس ووتش" أن مسلحي "بوكو حرام" احتلوا مدرسة زانا موبارتي الابتدائية في داماساك بشمال شرق البلاد في تشرين الثاني 2014. مُنع 300 تلميذ كانوا فيها من المغادرة. بقوا في المدرسة وتغير المنهاج، حُظرت الإنكليزية وفُرضت العلوم الدينية. وحين تقدمت قوات من تشاد والنيجر لتحرير المنطقة، فرّ المسلحون واقتادوا معهم التلاميذ الـ300 مع نحو مئة رهينة إضافية من النساء والأولاد. ومنذ ذلك الحين، لم يعرف أحد شيئاً عنهم.
صارت المدارس، وهي عادة بيئة آمنة للطلاب، مكاناً محفوفاً بالمخاطر. وفي تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" في كانون الأول الماضي أن نحو مليون ولد خسروا فرصهم في التعليم في ظل حُكم "بوكو حرام"، وأن نحو ألفي مدرسة أقفلت أبوابها في نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر.
مرات عدة منذ نشر ذلك التقرير أعلنت السلطات النيجيرية نصراً "تقنياً" على الجماعة المتشددة، لتدحض الوقائع الميدانية ذلك، فالعمليات الانتحارية والخطف إلى تصاعد، ولا يزال نحو مليوني شخص خارج منازلهم. صحيح أن الجيش النيجيري، مدعوماً بقوات أفريقية من تشاد والنيجر والكاميرون وبنين، تمكن من استعادة أراض تُعادل مساحة بلجيكا، غير أن ذاك النصر المزعوم يفقد قيمته في ظل اقتصاد متهالك وبنى تحتية صارت أثراً بعد عين في ولايات شمال غرب البلاد حيث قضى أكثر من 20 ألف شخص، جُلهم من المدنيين.
عشية الذكرى الثانية لخطف الفتيات في شيبوك، لا معلومات استخبارية ذات صدقية عن مكان احتجازهن. وفي شهادة امرأة تمكنت من الفرار من أسر "بوكو حرام" قبل تنفيذ عملية انتحارية جُندت لها، وهي حالياً لاجئة في مخيم بالكاميرون، أنها شاهدت الفتيات المخطوفات قبل أشهر في مصنع مهجور.
ربما لم تقدر تلك المرأة، وتدعى راحلة، أهمية ما رأت. وقد وردت شهادتها تلك عرضاً في سياق تحقيق لـ"النيويورك تايمس" من الكاميرون جمع روايات ناجيات من قبضة "بوكو حرام" عن كيفية تحويل النساء من الرهائن قنابل انتحارية. ويُعتقد أن الجماعة المتشددة استخدمت أكثر من مئة امرأة في هجمات على أسواق ومدارس ومخيمات للنازحين منذ حزيران 2014، وذلك نظراً إلى سهولة إخفاء المتفجرات داخل العباءات والملابس الفضفاضة المفروض على النساء التستر بها، ولأن الجنود لن يفتشوا النساء كما يفعلون مع الرجال.
كانت راحلة أكثر حظاً من سواها. صحيح أنها خُطفت من قريتها مع ابنتها وأحفادها، لكنها تمكنت من الفرار ذات مساء باتجاه الحدود الكاميرونية. لم تتعرض للاغتصاب، ربما لبلوغها السابعة والأربعين، وهذه سن متقدمة في مقاييس رجال "بوكو حرام" الباحثين عن فتيات صغيرات، ولأن كونها جدة أفقدها الجاذبية الجنسية التي ينشدونها. لكنها خضعت مع 30 امرأة أخرى للتدريب على حمل السلاح و"قتل شخص بالسكين وتفجير منزل". وروت أن 14 من شريكاتها في تلك الدروس اخترن ليكن "زوجات"، وهو التعبير المستخدم من المسلحين للاستعباد الجنسي للرهائن.
وأفادت راحلة أن النساء كن يتلقين وجبة واحدة يومياً، وأن برنامج التجنيد الإجباري ذاك كان يستخدم الطعام وسيلة ترغيب وترهيب. فهي اقتيدت مرة مع أخريات إلى مصنع مهجور حيث شاهدن فتيات "لديهن الكثير من الطعام والمياه"، وقيل لهن إن نجاحهن في التدريب سيؤدي إلى حصولهن هن أيضاً على ما يشتهين من الوجبات.
واسترعى أنظار المرأة الجائعة أن الفتيات كن يبكين، ونقلت عنهن أنهن من #شيبوك. ولو صح ذلك، فإنه يعني أنهن من المخطوفات الـ276 من المدرسة. لكن ذلك لا يكفي طبعاً لتحديد موقعهن، فالحادثة وقعت قبل أشهر، وراحلة لم تقدم إرشادات محددة إلى المكان. وكذلك امتنع مقاتلو "بوكو حرام" الموقوفون في عمليات أمنية عن التعاون وتوفير قرائن تؤدي إلى تحرير الفتيات.
المعلومة الأحدث عنهن هي أنهن متوزعات في أماكن عدة متقاربة، وأنهن على قيد الحياة، وظهر 15 منهن في شريط فيديو أُرسل إلى مقر الرئاسة النيجيرية. وطلبت الجماعة الخاطفة عشرة مليارات نايرا أو ما يوازي 50 مليون دولار لإطلاقهن، على ما نقلت "الدايلي تلغراف" البريطانية عن مصدر مقرب من "بوكو حرام". وانقسمت الحكومة بين مؤيد لدفع الفدية لما سيكون لاستعادة الفتيات من فائدة دعائية، خصوصاً في الإعلام الغربي، وورافض لتقديم مكافأة تؤدي إلى تضاعف عمليات الخطف إلى ما لا نهاية.
وفي كل الأحوال، المسار التفاوضي لاستعادة الفتيات سيستغرق وقتاً، وتُدرك الحركة أن الحكومة عاجزة عن هزيمتها، وأن زمن المناورة بالرهائن، كل الرهائن، لم ينتهِ بعد.
[email protected]
Twitter : @SawssanAbouZahr

 

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard