عرقتنجي يصوّر فيلماً عن بيروت ونسائها والحبّ ويقول: أنا مخرج الولادة من الألم

31 آذار 2016 | 12:43

المصدر: "النهار"

بعد نحو ثماني سنوات على فيلمه الروائي الطويل الأخير، "تحت القصف"، يعود المخرج اللبناني فيليب عرقتنجي بفيلم روائي جديد التُقطت مشاهده خلال الأشهر الأخيرة، وهو حالياً في مرحلة المونتاج.

يتشارك عرقتنجي كتابة السيناريو مع "صديقتي منى كريّم"، كما يقول عنها. في اللحظة التي التقيناه فيها، كان العنوان الذي منحه لجديده هو "جود". "انه اسم قابل للتبدّل حين أستقرّ على الاسم الأنسب"، يقول لـ"النهار"، ونحن نجلس معه في مقهى فندق في وسط بيروت. بعدما أخبرني بأن الوثائقي الذي أنجزه قبل عامين، "ميراث"، خطف قلوب بعض النقاد في فرنسا خلال زيارته لها لمواكبة عملية نزوله الى الصالات، نبدأ الحديث من الجانب الأصعب لعملية صناعة الفيلم: التمويل. يقول: "كما هي عادتي، أنا المنتج الأساسي للفيلم. ثمة منتج فرنسي أيضاً، ولا نزال نؤمّن المال اللازم. كان في حوزتي المال الكافي لبدء التصوير، ولا أملك ما يكفي لأنهيه. لكني مندفع. كان الظنّ أن في الإمكان تأمين بعض المال من الخارج، الا ان ذلك لم يحدث. فالشبابيك في الغرب لم تعد كما في السابق. ما عاد الغربيون يستهوون الفنّ في المنطقة العربية. لو جعلتُ من اللاجئين تيمة الفيلم، لكان المال تأمّن. أما الحب، فقلّ أنصاره من أصحاب الرساميل. أرجّح ذلك. أنجزتُ "تحت القصف" في عشرة أشهر، فتنقّل بين المهرجانات ولاقى الصدى الطيب. لا أعتقد أن السبب كان جماليته فحسب. "ميراث" لم يقلّ عنه أهمية، لكنّ المعضلة في تجاوب الغرب. لا أتكلّم من منطق المؤامرة. المسألة تكمن في الأفكار المسبقة لدى تقويم العمل. سأقول بتواضع: من السهل أنّ أجد منتجين في فرنسا والغرب. اسمي والجوائز التي نلتها يسمحان. كلبنانيين، ليس لدينا سوى شبّاك واحد للإنتاج هو محطة "آرتي" التي تُنتج سبعة أفلام غير فرنسية سنوياً، بينها أفلام من أميركا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط. هذا ضغطٌ هائل. حين تعتذر "آرتي" عن عدم تلقي أفلامنا، ماذا نفعل؟ هنا المعضلة".

الفيلم من بطولة يارا بو نصّار، الممثلة التي أثبتت نفسها على خشبة المسرح، ومعها ربى زعرور وهادي بو عياش. ظهر اسم بو عياش في كليب لنانسي عجرم، وفي دور تمثيلي بمسلسل، ومثّلت زعرور في "كاش فلو ٢"، و"أتت من هوليوود حيث كانت تعيش وتعمل" للمشاركة في الفيلم. أسأله عن الفكرة التي يستند اليها النص، يتهرب قليلاً من الردّ المباشر، ربما خوفاً من أن تُسرق فكرته، فيقول: "إنه قصّة حبّ على شيء من التحدّي. في بيروت توتّرٌ هائل. بالنسبة الى بعض الغرب، لا يتخطّى ما يجري هنا مجرّد مَشاهد ساذجة. قد تقتصر النظرة على اعتبار أن ما يُصنع في لبنان قوامه الفوضى والتخبّط".

نكتشف خلال الحديث ان تيمة الفيلم هي السمع. "ما عاد أحدٌ يسمع أحداً"، يقول عرقتنجي رافعاً من نبرة صوته. "السمع في الغالب صفة أنثوية، والرجل حين يُصغي قد يُتهَم بالضعف. لماذا على الرجل أن يحارب ويصرخ طوال الوقت؟ لماذا لا يستمع إلى الآخر؟ الفيلم هو أيضاً عن الوفاء. تحوط البطل جميلات يُغرينه، لكنّه يتمسّك بالصدق حيال المرأة التي يحبّ. الإخلاص تيمة أخرى كالسمع، والفيلم عن بيروت ونسائها وإنما بغير نَفَس".



لا يخفي عرقتنجي انه واجه خلال التصوير هو وفريق العمل بعض التوتّر جرّاء التصوير في ظلّ تراكم النفايات. الأوساخ كانت تملأ الطرق (ولا تزال) في مشهدية مرعبة، فشعر أنّه لا بدّ من التحرّك. يقول انه كان في الإمكان تصويره في مدينة أخرى تعاني إشكالية الصوت، لكنّ وضع بيروت مغاير. "اشكالية الصوت؟". ماذا يعني هذا تحديداً؟ آه، هذا فيلم عن الأصوات؟ بلى، انها قصة مهندس يحمل الحبّ لشابة فيجد أن يستميلها بالأصوات. يُرسل إليها رسائل صوتية تعبيراً عن شبقه. هذا الشاب يسجّل بيروت. يحاكي الحبيبة من عمق وجدانها. ومن حبّها لبيروت. وعلاقتها بيومياتها وتفاصيلها. في هذه المدينة، تفتقد الأصوات تجانس النغمة. تشبه بيروت لبنان واللبنانيين والهوية بما تنطوي عليه من فصام. وبينما يُرسل إليها أصوات بيروت سيلحظ أنّ هذه الأصوات تتحوّل إلى صدى. تندثر. يصبح الصوت لاصوتاً كأنّه الخواء، فيدرك المرء أن الصمت قد يكون أعمق من الصوت. يقول عرقتنجي: "لا أزعم أن الفيلم فلسفيّ. هو في النهاية فيلم للجمهور. أتعمّد إنجاز أفلام سلسة لا تخلو من العمق. نسبة المتهافتين على شبّاك التذاكر تختلف، فالإقبال على "بوسطة" غيره الإقبال على "تحت القصف" أو "ميراث". هذا الفيلم من نوع السهل الممتنع. أبذل جهداً لأبقى قريباً من الجمهور، من غير أن تفقد المادة قيمتها".

من أجل السفر الى باريس للترويج عن "ميراث"، اضطر عرقتنجي للتوقف عن التصوير لعشرة أيام متتالية. بوريس سيرولنيك، أحد أشهر المحللين النفسيين، مبلور نظرية "الولادة من الألم"، كان مشاركاً في أحد العروض. "في أحيان، قد نعيش ظرفاً من دون أن نملك خياراً آخر، كالحرب حين تدخل حياتنا في شكل مباغت. المرونة هي قلب الوقائع. أو بمعنى آخر تليينها وتطويع حِدّتها. "تحت القصف" كان فيلم مرونة. غالب الظنّ أن أفلامي كلّها على هذا النحو. أنا مخرج "الولادة من الألم" مئة في المئة".

عن النبرة الجريئة التي سيتسم بها الفيلم، يقول صاحب "بوسطة": "لا أقصد الجرأة الجنسية، بل جرأة النظرة إلى بيروت. صوّرتُ نحو 90 في المئة من مَشاهد الفيلم في العاصمة، ومشهدين في الشوف وواحداً في عمشيت. عملنا لشهرين في التحضير قبل أن نباشر التصوير. هو فيلم محض شبابي، تراوح أعمار ممثليه ما بين 25 و30 سنة. حتى مدير التصوير كريستوفر عون شاب. جميعهم يعملون على فيلم للمرة الأولى، من غير أن يعني ذلك عدم الاحتراف. أنا وراءهم".
خلال التصوير، واجه عرقتنجي هاجس الصوت. بيروت في ضجيج هائل لا يكاد يُحتمل. كان لا بدّ من سؤال العاملين في الورش الهدوء بعض الشيء لإنجاز المشهد. يقول انه التقط بيروت من زاوية مغايرة. هو فيلم الغرام مع المدينة. فجأة، يعلق: "سأعترف أنّه قد يكون فيلم الطلاق معها أيضاً. أنا من المغرمين ببيروت، لكنّ هذا الفيلم قد يكون آخر ما أُنجزه عنها. عشتُ في فرنسا نحو 16 عاماً، وأنجزتُ نحو 40 وثائقياً. "تحت القصف" إنتاج مشترك بين فرنسا ولبنان، صوّرته في المكان اللبناني وأخضعته للمونتاج في فرنسا. تطلّب إنجازه سنتين. عدتُ إلى لبنان فوجدتُ كثافة الضوضاء. لا أعني السيارات والزحمة، بل ضجيج المدينة. هذا محفّز للإبداع شرط توافر الروح الخلّاقة".

في انتظار أن نكتشف الفيلم في الأشهر القليلة المقبلة، أسأل عرقتنجي عن الحركة السينمائية الحالية في لبنان، غامزاً من قناة الأفلام الهابطة التي سادت في الآونة الأخيرة. يقول عرقتنجي انه لا يودّ التورّط بالحكم على تلك الحركة. "علينا الانتظار، فثمة نحو 10 أفلام روائية تتحضّر، ولا أملك جواباً حول الموضة السينمائية الجارية. في فرنسا، يُخضع الفيلم لمعيار تقويمي. لا أقصد الرقابة، بل تصنيف الأفلام وفق الجمالية. ثمة أفلام محض تجارية لا روحية سينمائية فيها. في لبنان، حين لاح جوّ سينمائي، كان الروّاد قلّة. في "بوسطة"، أردنا تشجيع السينما اللبنانية، روّجنا بأنّه فيلم "لبناني مئة في المئة"، فحضر المشاهدون إلى السينما. لا أودّ انتقاد هذا الجمهور. يحضر إلى السينما المثقّف وعديم الثقافة. الفيلم الجماهيري يحتمل كلّ شيء. ذكاء المخرج في أن يتمكّن من ملء الصالات بالتناقضات كافة. لا نستطيع اليوم أن نكفّ عن دعوة الناس الى السينما. فيلمي الجديد يميل إلى أفلام المهرجانات أكثر. لكنّه شبابي وقد يستهوي كثيرين. تعمّدتُ عدم اختيار الوجوه المعروفة. هو تجربة مغايرة عن "تحت القصف" مثلاً، حيث مثّل جورج خباز وندى أبو فرحات وآخرون. اختيار الممثل أمرٌ في غاية الصعوبة. في الأعمار ما بين الـ25 والـ30، لا أسماء كثيرة معروفة. ليست منى كريّم كاتبة محترفة، لكنها كتبت للشخصيات ما يناسب أحوالها. عملت مع كلود بيري، وهي كاتبة تدرك جيداً مَشاهدها".

يروي عرقتنجي وهو يحكي براحة وبشيء من الطمأنينة انه خلال التصوير يلتزم عادة النصّ المكتوب بنسبة 80 إلى 85 في المئة. وفي أحيان تصل نسبة الالتزام إلى مئة في المئة. يوم التقيته، كان قد أتم نحو 20 يوماً من التصوير، ولا يزال أمامه نحو 15، ولم يخفِ رضاه واكتفاءه. شدد انه يعمل على "مستوى عالمي"، وقد استأجر أفضل أنواع الكاميرات وأدقّ العدسات. "أن تعمل مع الشباب يعني أن تشعر بنكهة خاصة. يعنيني التمثيل كثيراً وأداء الممثل. لا أنكر أنّي حين بدأتُ مع الممثلين كنا جميعاً نتخوّف من الانطلاق. توقّفتُ لوهلة أمام إمكان عدم التوصّل إلى النتيجة التي أريدها. في العادة، لم أكن أشاهد يومياً ما يجري تصويره. في فيلمي هذا، أجدني أشاهد ما تصوَّر مرتين أو ثلاثاً أسبوعياً. كما أني بدأتُ المونتاج، وأنا أتابع مَشاهد وأعيدُ تصوير أخرى لستُ راضياً عنها. اليوم الأول للتصوير هو الأصعب. في "تحت القصف" و"ميراث" صوّرتُ ومنتجتُ، ثم أعدتُ المشاهدة والتصوير. هنا، أمنتجُ بينما أصوّر، فأمامي المادة وأعرفُ جيداً ما يلزمني منها. تخضع الشخصية الرئيسية لتغيرات زمنية مدّتها ستة أشهر. ينمو الشعر وتتغيّر بعض الملامح، وكان لا بدّ من الانتباه إلى التفاصيل الدقيقة. الروح الجميلة تساعد على العمل. نصوّر ونضحك، فنحصل على مشهدية رائعة. إنّه فيلم بصري وليس حميمياً، وهنا الفارق".

(الصور لباتريك باز وتيري فان بيزن).

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard