هل نصير حيوانات بلا إنسانيّة؟

30 آذار 2016 | 20:55

المصدر: "النهار"

ليس ثمة أفضل من الإيطالي بريمو ليفي ليروي تدمير المرء المُعتقل ومحاولته الإبقاء - ومن خلال الأفعال اليومية البسيطة كمثل النظافة الفرديّة التافهة ظاهرياً- على شيء من احترام الذات بغية عدم الوقوع في الشرك الأعظم، أي التسليم بفكرة أن المرء حيوان بلا إنسانيّة.
كتب ليفي وفق المتداول مذكّرات وانطباعات عن العيش في فسحة زنزانة في المعتقل النازي ورصد الصلة بين المسجون والسجّان، بينما أتمّ في الفعل، نصوصاً غير مغلقة. صنع أدبا إنبثق من الأذى. حكى ليفي في العلن عن سحق حقوق الناس ليس بالمعنى العام الذي صار له أحيانا بعدما تأطّر، وإنما بمعناه اللحظوي الخارج على أي قواعد أو أجندات.
والحال أننا نقرأ ليفي في كتابه "في حال كان رجلاً" يكتب عن تجربة الإعتقال في أوشفيتز في أسلوب يوازي إحساس الإختناق بين طلقتي صراخ: "نحن عبيد محرومون من كل شيء ومعرّضون لكل مهانة ومعاقبون بتهلكة أكيدة، غير اننا لا نزال نملك قوة وحيدة وينبغي لنا أن ندافع عنها بكل ما أؤتينا من إرادة لأنها الأخيرة (...). لهذا السبب يتوجب علينا أن نغسل وجوهنا من دون صابون وبالمياه الوسخة وأن نجفف أجسادنا بسُتراتِنا. ينبغي لنا أن نلمع أحذيتنا ليس لأن القوانين تستدعي ذلك وإنما بدافع الكرامة والسلوك الحسن".
قدّم ليفي نصيحة لكل سجين ليبقى على قيد الحياة ولكي يتفادى أن يُدَشّن مسار موته.
نعود إلى الكاتب الإيطالي اليوم على خلفية صدور "أعمال بريمو ليفي الكاملة" في ثلاثة مجلدات وبالإنكليزية وحيث أدخلت جميع نصوصه، البعض منها منقولا إلى لغة شكسبير لأول مرة والبعض الآخر في ترجمة جديدة. وإذا كانت هذه الحركة النشرية تكتنف أهمية معينة فلأنها تعيد وضع ليفي في السياق الذي يستأهله وفي المرتبة التي تجوز له كأحد أبرز كتّاب القرن العشرين وليس كأحد الأصوات التي وثّقت للمرحلة اللاحقة للحرب العالمية الثانية، فحسب.
والحال أن منجزه أكّد ان اختبار الفظاعة ليس محصورا بعرق وزمن وبلاد ونظام. وإذا كان ممكنا للمرء إزاء الظلم أن يلوذ بالصمت المطبق أو أن يختار القصّ ساعيا إلى التحرّر من ضرر أصابه، فلا لبس في أن ليفي يعدّ من بين هويات قليلة نجحت في مدّ علاقة شفافية مع الحقيقة، ذلك انه إختبر الأهوال وأخرجها من نطاقها المباشر، أي من مناخ الحرب العالمية الثانية، إلى نطاق كونيّ.
مشروع منشورات "ليفرايت" في مجلداته الثلاثة يقدّم خدمة قيّمة لمنجز ليفي الموزّع في أربع عشرة نافذة، فيعيد التذكير بأن الكاتب لم يستسغ المذكّرات والمقالات المطوّلة فحسب وإنما مرّ بالشعر والقصة القصيرة ونصوص من الخيال العلمي أيضا، ناهيك برواية يتيمة بعنوان "إن لم يكن الآن فمتى؟".

في تلك الفسحة الروائية جزم ليفي ان لا شواطىء لبحر الحزن. وإذا كانت حياته جُبلت بالأسى، غير أنه ضمّدها بكلمات واضحة ومتبصّرة.
كان تلك الإنسانية الشاعرية التي دمغَت جميع نصوصه ترياق الحزن الشخصي. أطلقها من قعر الزنزانة وبدت كأنها تصدر من أعلى قمة على وجه هذه الأرض.

 

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard