رحيل آلان دوكو الذي ذهب "الى قلب القديس بولس"

28 آذار 2016 | 14:06

المصدر: "النهار"

كان آلان دوكو التاريخ مُجسّدا في شخص، صورة من لحم ودم عن "فرنسا القديمة" والرجل الذي صرف أيامه على وقع التاريخ الذي تفاعل معه في تجلياته المختلفة سيراً مكتوبة بنفس روايات القرن التاسع عشر الشعبية ومقالات صحافية وبرامج سمعية - بصرية في الإذاعة والتلفزيون. ربما كان دوكو الراحل للتو في عامه التسعين المثال الأبهى من "خلود" "الأكاديمية الفرنسية".

في القرن العشرين حيث اندلعت صراعات عنيفة بين مؤيدي التاريخ التقليدي ومؤيدي التاريخ الحدثي، كان دوكو أحد أهداف هذا التنافر لرفضه انكار التاريخ الحدثي الذي لاذ به بالكامل واعتنقه من دون تردد علماً ان القتال انتهى "بنتيجة نقص في المقاتلين"، وفق التعبير الذي استخدمَهُ في نبرة متهكمة، حين حدثته في شأن إعطاء التاريخ بعدا علمياً، خلال حوار اجريته معه، في بيروت، في 2005.

يومذاك استوى دوكو في مقعده مواجها بحر بيروت فيما بدت عليه أبّهة العالم بالدور الذي لعبه في الإدراك الثقافي في محيطه وهو ترك كتباً بالعشرات وأسس وأدار وساهم في مجلات تاريخية كمثل شهريّة "التاريخ للجميع" ودأب على التوجه إلى الجمهور العريض بالجديّة المطلوبة. أكد لي يومذاك انه لا يمكن راهنا كتابة سيرة على نسق بداية القرن العشرين، سيرة تبدأ بفعل "ولِدَ".

والحال ان دوكو وفي "فيكتور هوغو" لم يسقط في شرك السيرة المعظمة بل قدم شاعرا تتنازعه بورجوازيته المعلنة واهتماماته الثورية. دخل دوكو حوادث حقبة صاحب "البؤساء" تفصيلياً، وإذا كان موضوعه ارتبط بالهيئة المضيئة لشاعر متميز الحضور في حين أهملت صورته زعيم "مجموعة المخربين" التي حطمت مقاعد "الكوميديا الفرنسية" خلال "معركة إيرناني"، فإن دوكو وحين دنا منه لم يتردّد في إبداء الذهول من انتقال هوغو من أقصى اليمين تقريباً في الثانية عشرة، إلى أقصى اليسار السياسي تقريباً في الثمانين، في حين يحصل الأمر المعاكس، في الغالب. جاهر دوكو بمنجزه حول هوغو جازما "إنها في رأيي سيرة كاملة لأنها تتضمّن التفاصيل كلها"، وإزاء تشكيك أحد أصدقائه بإمكان أن يجد دوكو عناصر جديدة في هذه السيرة جاءه الردّ في كنفها من حيث الكشف ان المؤلف الشهير الذي أنجزته زوجة هوغو عنه قد شوهه اتباعه تماما لأنه تضمّن، في عرفهم، ما يجب عدم قوله، فأعادوا صوغه. وجد دوكو مخطوط الكتاب الأصلي فاستطاع ومن طريقه أن يروي الحكاية الحقيقية لطفولة هوغو.

أما في عنوانه الواقع في أربعة مجلدات "كان هذا القرن العشرين" فعاد دوكو إلى الحوادث التي طبعت القرن العشرين: الحربين العالميتين وغزو الفضاء والقرية الكونية ووصل إلى اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي، غير انه لم يدّعِ تقديم تاريخ القرن، وإنما إكتفى بعدّه تاريخ الحوادث التي أثرت فيه شخصياً، فحسب.

دوكو الذي شغل مناصب رسمية ومنها وزير مفوض لشؤون الفرنكوفونية والتحق بـ"الأكاديمية الفرنسية" في 1979 تساءل في خطاب تحت قبة الأكاديمية إذا كان مصير اللغة الفرنسية سيشبه مصير بعض اللغات الهندية في أميركا والتي اعتبر شاتوبريان ان "الببغاوات العجائز وحدها تحتفظ بذكراها"! وحين استفهمته في هذا الصدد وفي التحدّي الذي يشكّله انتشار الإنكليزية، أكّد في شيء من الحسرة ان الإنكليزية "تدافع عن نفسها على نحو أفضل من الفرنسية".

استمرار اللغة بالنسبة لدوكو استمرار للثقافة التي تنتسب إليها، أولا وأخيراً. انها الثقافة الدينية والدنيوية على السواء والتي جعلته يتمهّل عند القديس بولس محاولا ان يقترب منه وأن يفهمه في كتابه "طرح الله: حياة مار بولس". دوكو الذي يعاين نفسه "مسيحيا ملتزما" سعى على حدّ قوله إلى "الذهاب الى قلب القديس بولس"، بغية أن يرويه ذلك ان السرد ظلّ على ما يصفه، عيبه الأقصى. وربما يكون هذا النسق من الإندفاع ورّطه في شبابه في لغز لويس السابع عشر فدفع به إلى حد التسليم بأن الساعاتي نوندورف هو فعلاً الشخص الذي يدعيه، أي لويس السابع عشر. غير ان اكتشاف الزيف لاحقاً، وإن جعل دوكو أكثر حذراً، لم يجعله، ويا للمفارقة، أقل شغفاً.

ظلّ آلان دوكو الحريص على حماية اللغة من تلوث يصيبها، وعلى حماية التاريخ من مزوّريه.
ربما كان السرد عيب دوكو الأقصى، لكنه كان صفته الأجمل، أيضاً.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard