أسبوع آلام جورجيت ممتد منذ سنين!

25 آذار 2016 | 09:33

المصدر: "النهار"

في زمن الصوم يختار بعض الناس ما لذّ لهم وطابمن المأكولات أو الحلويات ليصوموا عنها. أما جورجيت عيسى فقد اختارت نوعاً آخر من الصوم يرافقها منذ طفولتها، فهي صامت ولا تزال، عن الحركة، اللعب، المدرسة، الفرح والعيش الكريم.

في أسبوع آلام السيد المسيح استهلت جورجيت حديثها لـ"النهار"، بعبارة: "آلام يسوع تتمجّد فيّ فأستمد منه القوة وأكون عبرة لكثيرين". هي في الـ49 عاماً، حالتها مثقلة بالعذاب والآلام التيأدركتها مذ فتحت عينيها على الحياة. تعتب من قدر سلب أحلامها وأقعدها المنزل رغم صبرها وإيمانها. تروي أنها أصيبت بشلل الأطفال حين كانت في السنة والنصف من عمرها. هي باختصار، مقعدة، لا تقوى على الحركة أو المشي، حتى يدها اليمنى مشلولة،وبالكاد تتمكن من الإستعانة من يدها اليسرى التي يزداد وضعها سوءاً نتيجة تعب في أعصابها. تقول إن عائلتها حضنتها ووقفت إلى جانبها وفق إمكاناتها. وتخبر عن مرحلة طفولتها: "لم أعرف المدرسة يوماً بسبب إعاقتي، غير أن والدي تلقف المشكلة وخصص لي أساتذة أعطوني دروساً خصوصية في المنزل،وبذلك أنهيت المرحلة المتوسطة لئلا أشعر بأنني مختلفة عن أشقائي وشقيقاتي وبقية الأولاد".
ترعرعت جورجيت في عائلة متواضعة، حيث كان والدها يعمل في مجال البناء إلا أنه فارق هذه الدنيا باكراً نتيجة ذبحة قلبية، وبقيت العائلة من دون معيل.

بديعة كل شيء
رفضت الأم بديعة إلحاق ابنتها جورجيت بمدرسة أو مؤسسة متخصصة بذوي الحاجات الخاصة، "لأن بالها لا يرتاح إلا أن أكون معها لتخدمني بنفسها". هذا كان في الماضي، أما اليوم فقد اختلفت الأمور كثيراً، فالأم أصبحت عجوزاً تحتاج الى من يساعدها. تقطن جورجيت ووالدتها في منطقة سد البوشرية، وتقول إنها كانت دائماً أقوى من مصيبتها: "تخطيتُإعاقتي بإيمان ثابت ورجاء، وواجهتُ آلامي بعبارةأُرددها باستمرار: "لتكن مشيئتك يا يسوع... شاركني آلامك كي أقوى على الصعاب".
حُرمتْ هذه الصبية المشي، الجلوس على الأرض، اللعب مع أخوتها، ارتداء الأحذية، ارتياد المقاهي والنوادي وأمور كثيرة أخرى. لكن ما وصلت إليه اليوم، هو أصعب بكثير من المراحل السابقة في حياتها: "كانت والدتي تعتني بكل شؤوني اليومية من دون ملل ولا كلل، ها هي اليوم تبلغ الـ81 وتصبح عجوزاً بالكاد تقضي حاجاتها، لا سيما أنها تعاني من امراض السكري والضغط وترقق في العظام، وأنا في المقابل، لا أستطيع الإتكال على نفسي لتسيير أموري اليومية". لا تنفك هذه الصبية المناضلة عن التفكير بمصيرها وبقلقها المستمر من "بكرا وبعده". تقول بغصة: "ربما لو كان والدي على قيد الحياة لكان استقدم لنا عاملة أجنبية تساعدنا في المنزل وتخدمني وأمي الحبيبة، أما اليوم، فحدث ولا حرج بالنسبة إلى الوضع المادي غير الميسور والضيقة التي وصلناإليها خصوصاً أن لا معيل أو مدخولاً محدداً نعتاش منه".

حُرمت بطاقة المعوقين!
رغم إعاقتها الجسدية تغامر بمفردها على كرسيها النقال الكهربائية للذهاب الى الصيدلية لشراء الأدوية لها ولوالدتها، والى ما تحتاجه من خضر وفاكهة أو خبز.
هل من تغطية صحية لجورجيت؟
لا يكفيها ما تتخبط به في حياتها الصعبة، بل هي أيضاً محرومة التغطية الصحية، ذلك أنها لم تحصل على البطاقة الخاصة بالأشخاص المعوقين اللبنانيين. لماذا؟ تجيب: "لأنني سورية ولم يتمكن أبي من أن ينجز لي هوية لبنانية كباقي أفراد عائلتي منذ أكثر من 25 عاماً مع العلم أن والدتي لبنانية الأصل".
ماذا تتمنى جورجيت في الجمعة العظيمة؟
بدموعها المنهمرة تتمنى على كل إنسان أنعم عليه الخالق بيدين وقدمين أن يشكره دوماً، "لأنه بذلك لا يذل لأحد أو يستنجد بأحد كما هو حالي ... أنتظر من يلتفت إليّ ويعاونني على تسيير أبسط أموريالشخصية". تضيف: "لا الأخ، لا الصهر، ولا زوجة الأخ، لا أحد يمكن أن يحل محل الأم ويخدموني مثلما كانت هي تفعل". من هنا تطلب في كل لحظة الصحة والعمر المديد لوالدتها لتبقى إلى جانبها مع أنها باتت عاجزة عن القيام بأي عمل تساعد فيه ابنتها.
اليوم ماذا تطلب جورجيت: "من قلبي أتمنى أن أجدامرأة أرملة تحتاج إلى سقف تقطن فيه، أُرحب بها في بيتنا ونعيش معاً نتعاون ونتشارك لقمة الخبز". فهل يتحقق لها ذلك ويرتاح بالها في بلد تعجز فيه حكومتنا عن توفير الرعاية لأصحاب الحاجات الخاصة، وأدنى مقومات العيش الكريم؟

nicole.tohme@annahar.com.lb 
Twitter: @NicoleTohme

اليك جديد فساتين السهرة والإكسسوارات لتستعدي لموسم اعراس حافل هذا الصيف

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard