أمام موتِكَ لا عُذر لنا!

25 آذار 2016 | 09:15

المصدر: "النهار"

ندخل يوم موتك لتخشع نفوسنا في قدس معاناتك يا ربنا وإلهنا! ندخل هذا اليوم وقد استذكرنا كل جراحنا وكل مآسينا، وتذكَّرنا كلّ من فقدنا، وكلّ من فُجِعنا بغيابهم عنّا! ندخل يوم موتك يا ربّنا ويطيبُ لنا في هذا الأسبوع أن نضع كل الحروب والنكبات الإنسانية تحت صليبك، ويَلَّذُّ لنا يا فادينا أن نقارن فشلنا بآلامك! يَلَذُّ لنا أن نرمي عاطفتنا الهوجاء على خشبِ صليبِكَ! نعم يا ربّ يطيبُ لنا أن نُشوِّه خلاصَكَ!

ويحلو لنا أن نرى في أمِّك أمًّا ثكلى مفجوعة متوَّجعة، يلذُّ لنا أن نسمعها تلعن صالبيك! ونفرح إذ نتصوّرك تعاتب من جلدوك! نفرح أيضًا عندما نتخيَّلك تلقي بالملامة على خطايانا وآثامنا، نفرحُ أيضًا وأيضًا متى جعلنا منكَ على صورتنا ومثالنا، متى جعلنا من صليبك حتميّةً أُجبِرتَ على حَملها! نعم نفرحُ متى شاهدناك مكسورًا مُجبَرًا على الموت!
نتعزَّى بِكَ خائفًا! نتَبَرَّرُ بِكَ ضعيفًا! ونتصالَحُ مع جبانتنا متى أقنعنا أنفسنا بأنّكَ كنت ترتجف خوفًا على طريق آلامِك وموتِك! وننتصر لضعفنا يا ربّ عندما نتيَقَّن بأنك على درب موتك حُرِمتَ من الحولِ والقوَّة، وبأن سلطان العالم الذي ينتصر علينا قد انتصر عليك!
نتساوى مَعَكَ بالهزيمة! فننتصر!
ننتصِّر فنبكي! إذ إنّ البكاء قد أصبح علامة انتصارنا في هذا الشرق! نبكيك شهيدًا مظلومًا! نبكيك شابًا مغبونًا حُرِم من زهرة شبابه ومن حلاوة الحياة وفرحها ومرحها! نبكي والدتك كمن فَقدَت معيلها واستمرارية نسلها فانهدّت وعجزت أمام موتك!
ولكن! ولكن لا يزال صوتك على طريق الصليب يلاحقنا يطاردنا ويفضحنا حتى يومنا هذا!
لا تبكوا عليَّ يا أبناء الشرق بل ابكوا على نفوسكم!
لنبكيَنَّ على نفوسنا فإن والدته تفضحنا، وليلته في بستان الزيتون تفضحنا، ودخوله أورشليم يفضحنا! إن خيانة يهوذا تفضحنا! وتشتُّت التلاميذ ونكران بطرس يفضحاننا، ومحاكمة يسوع تفضحنا! إنّ طريق آلامه تفضحنا! وموته يعرّينا، يُجرِّدنا، يصفعنا، ويفضحنا!
والدته المتأمِّلة الواقفة تحت الصليب تَفضحُ أنانيَّتنا التي ترغب بامتلاك أهلنا وأحبَّتنا، وهي التي قدَّمته إلى العالم! لا عذر لنا!
ليلته في بستان الزيتون تفضح شوقنا إلى تتميم مشيئتنا التي تقود إلى موت لا قيامة بعده، لا عذر لنا!
دخوله أورشليم على جحش ابن أتان يفضح مواكب رؤسائنا وترف شعبنا ورعاته واستهلاكيّة وماديّة سلطاتنا! لا عذر لهم!
غوغاء الجماهير التي صرخت "هوشعنا" ثم هتفت "اصلبه" تفضح تقلُّبَنا وانجرافنا وراء كلّ موجة من موجات الباطل العاطل! لا عذر لنا!
خيانة يهوذا تفضح نفوسنا العطشى إلى المال، الربّ الذي قال لنا ربّنا ألا نعبده! لا عذر لنا!
تشتُّت التلاميذ ونكران بطرس صخرة كنيستنا يفضحان خوفنا وتوقنا إلى إلهٍ قائدٍ يرفع المسؤوليّة عن أكتافنا، وينتصر لنا على أعدائنا، ويستعبدنا! نعم يستعبدنا فنستريح من همّ الحريّة ومن تبعاتها! لا عذر لنا!
محاكمة يسوع تفضحنا إذ نرى فيه مظلومًا حُكِمَ عليه بالظلم! فنرفع عن أكتافنا همّ محاربة الظلم ونرضخ للوجع ونقنع بالاستسلام أمام البؤس والظلم والآلام على أنواعها، وهو القاتل الذي قتل إله الضغينة والبؤس والاستعباد وأنهى جريمته بقتله للموت على خشب الصليب! لا عذر لنا!
طريق آلامه الضيّقة التي سار عليها بإرادةٍ وثبات وبحبٍّ للحياة تفضحُ طرقاتنا الواسعة والملتوية، وتفضح هروبنا الدائم من إعلان الحقّ، تفضح تساعيّاتنا وصلواتنا ونذورنا التي بها نحاولُ عبثًا أن نلغي آلامنا التي تُطهّرنا! طريق آلامه تفضح تمسُّكَنا بالعيش الذليل المهان في ذميَّةِ الخوفِ الآمِنِ! لا عذر لنا!
موتك يا ربّ يُعرّينا من أوراقِ تينٍ أمضينا عمرَنا ننسجها على عارنا! موتك يُجرِّدنا من عروشنا وصروحنا وتيجاننا وصولجانات مجدنا المستعار من ذلِّنا! لا عذر لنا!
موتك يا ربّ يصفعنا نحن الذين نتوَّسل الانتصار من سيف بطرس، ولا انتصار إلا بصليبك! موتك يصفعنا نحن الذين نرتجي الحقيقة من فم بيلاطس ولا حقيقة سواك مسمَّرًا على صليبٍ من اختيارك! موتك يفضحنا نحن الذين انتصرنا بصليبك فشوَّهنا الانتصار وجعلنا منه انكسارًا يعطينا شرعية الحزن والندب في عرس الحياة، وفي فرح السماء النازل إلى أرضنا! لا! لا! لا!
لا عذر لنا!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard