في نصف قرن فقط... حصل ما لم يمكن مشاهدته طوال 10 قرون

17 آذار 2016 | 10:48

المصدر: "النهار"

ارتدادات للبيان المشترك، تفاعلات، انتقادات، اتهامات. لكن ابعد منها، يفتح اللقاء التاريخي بين رأس الكنيسة الكاثوليكية #البابا_فرنسيس ورأس احدى اكبر الكنائس الارثوذكسية بطريرك الكنيسة الروسية كيريل في مطار هافانا - كوبا في 12 شباط 2016، الباب عمليا على مرحلة جديدة من التعاون بين الكنيستين، بعد اكثر من الف عام على الانشقاق الكبير (1054).

عناق، تبادل للقبل. "التقينا اخيراً، نحن اخوة. واضح انها ارادة الله"، قال فرنسيس. وردّ كيريل: "الامور اوضح الآن". ساعة سعى الى تحقيقها سلفا فرنسيس، يوحنا بولس الثاني وبنديكتوس السادس عشر، من دون نتيجة، "بسبب تصلب روسي وتعقيدات".

وللعارفين، تطلب التحضير لها اعواما طويلة. والسطور المشتركة تم "التفاوض في شأنها بسرية تامة، ولم يكشف عن وجودها او عن مشروع اللقاء الثنائي إلا قبل اسبوع، ونوقش بعض الصيغ في اللحظة الاخيرة"، وفقا للمعلومات. حتى كيريل نفسه أقرّ بان خمسة فقط في البطريركية كانوا يعلمون بالامر. وقال: "من المستحيل التحضير علنا لحدث مماثل. كان عدد كبير من الاشخاص يعارضونه".

من "المونولوغ" الى الحوار
لا يقل شأنا خط المعارضين عن خط المؤيدين، في رحلة التقارب الكاثوليكي - الارثوذكسي. اياً تبلغ ثخانته، شهدت العلاقات الثنائية في نصف قرن مبادرات استثنائية بين الكنيستين ما امكن مشاهدتها قبلاً طوال قرون طويلة. بتعابيرالاب الدكتور جون فيتزجيرالد، الأمين التنفيذي الارثوذكسي للمشاورات الثنائية الأرثوذكسية - الكاثوليكية في أميركا الشمالية، "انتقلت الكنيستان خلال 50 عاما من العزلة الى الالتزام، من "المونولوغ" الى الحوار، ومن سوء الفهم الى الاغناء المتبادل".

ما شاهده ملايين الكاثوليك والارثوذكس قبل اكثر من شهر على ارض وصفت "بانها محايدة"، شاهده ملايين غيرهم قبل 52 عاما، ولكن على ارض غير محايدة، على ارض السيد المسيح. صباح 5 كانون الثاني 1964، تعانق بابا وبطريرك آخران، بولس السادس وبطريرك القسطنطينية اثيناغوارس، في حركة "اذابت قرونا من الصمت بين الكنيستين..."، على ما كُتب.

كانت المرة الاولى، من 525 عاماً، التي يلتقي حبر روماني ببطريرك ارثوذكسي مسكوني، وجها لوجه. في الحيثيات، المرة الاخيرة التي حصل لقاء مماثل تعود الى 1438-1439، في مجمع فلورانس، حيث التقى البطريرك المسكوني يوسف الثاني بالبابا اوجين الرابع في 8 آذار 1838. عدا ذلك، لم يشهد التاريخ، قبل القرن العشرين، اي لقاء مباشر بين قادتي الكنيستين الغربية والشرقية، واقتصرت غالبا اللقاءات على ممثلين لهما.

في الوقع، كسرت القمة الاولى صمتا ضخما بحجم قرون طويلة من الشقاق. يومذاك، تشارك البابا والبطريرك في تلاوة الفصل 17 من انجيل يوحنا، وصلاة "الابانا" باليونانية واللاتينية. تبادلا العناق على الشرفة امام الحشود. الحدث ارسى بداية المصالحة بين الكنيستين، بالتزامن مع انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني في الفاتيكان (1962-1965).

في الايام اللاحقة، تبادلا 4 مراسلات مكتوبة، وهو امر لم يكن ممكنا او حتى يمكن تخيّله قبل 6 اشهر. وبعد اقل من عامين، "في اليوم الاخير للمجمع الفاتيكاني (7 ك1 1965)، رفعت رومة والقسطنطينية الحرومات المتبادلة"، وتُلي خلاله "تصريح مشترك" للبابا والبطريرك، وفي الوقت نفسه أُعلِن في كاتدرائية الفنار (مقر البطريرك). وكانت 5 نقاط تضمنت "اتفاقا مشتركا"، "كتعبير عن ارادة صريحة ومتبادلة في المصالحة، وكدعوة الى استئناف الحوار".

عامان آخران... وزار البابا البطريرك في اسطنبول (25-26 تموز1967)، قبل ان يردّ له البطريرك الزيارة في الفاتيكان (26-28 ت1). و"في الذكرى الـ10 لرفع الحرومات (7/12/1975)، "قام البابا بخطوة نبوية مذهلة، اذ انحنى وقبّل قدمي موفد البطريرك. وفي هذا اللقاء، تقرر انشاء لجنتين مشتركتين متوازيتين لتهيئة الحوار اللاهوتي، ثم لجنة تنسيق مشتركة".

وفي 30 ت2 1979، أُعلِن رسميًّا انطلاق الحوار وتشكيل لجنة مشتركة خلال زيارة البابا يوحنا بولس الثاني للقسطنطينية. وفي حصيلة 20 عاما من عملها (1980-2000)، 8 اجتماعات و4 وثائق حول مواضيع كنسية ولاهوتية وعقائدية. وفي 29 ايار 1980، بدأ الكرسي الرسولي حوارا لاهوتيا رسميا مع 14 كنيسة ارثوذكسية مستقلة. وكانت مبادرات تصالحية، كإعادته ذخائر لقديسين الى البطريركية القسطنطينية.

10 بيانات مشتركة... واتفاق سري
كالمدّ والجزر، حركة العلاقات الكاثوليكية-الارثوذكسية في العقود الماضية. اذا اندفعت حينًا، فبسرعة السلحفاة. واذا هدأت، فلأعوام.وكان يجب الانتظار 20 عاما قبل ان يزور البطريرك المسكوني ديميتريوس الاول الفاتيكان (ك1 1987). ومع خلفه البطريرك المسكوني برتلماوس الاول، اخذت العلاقات دفعًا مع البابوات المتعاقبين: في27 حزيران 1995، اول زيارة له للفاتيكان. وتوالت في ك2 2002، حزيران 2004، ت2 2004، ونيسان 2005...

وكانت ايضا خروق مفاجئة. فالبابا يوحنا بولس الثاني حقّق اول زيارات بابوية لاراضٍ ارثوذكسية: رومانيا (ايار 1999)،اليونان (ايار 2001)،وكييف واوكرانيا ولفيف (حزيران 2001). والاكثر وقعا،اعتذارههناك عن "اخطاء ارتكبت".

وتابع خلفه بينيدكتوس السادس عشر مسيرة التقارب. فزار برتلماوس في مقر البطريركية في اسطنبول (ت2 2006)،قبل ان يردّله البطريرك الزيارة في 6 آذار 2008، ثمفي حزيران 2008، ومجددافي تشرين الاول 2008، بحيث كانت المرة الاولى في التاريخ، التي يخاطب فيها بطريرك مسكوني مجمع الاساقفة في الفاتيكان، بدعوة من البابا. العام 2011، لبّى دعوة البابا الى المشاركة في قمة اسيزي من اجل السلام. وفي ت1 2012، عاد الى الفاتيكان للقاء البابا في الذكرى الـ50 للمجمع الفاتيكاني الثاني. ولمفارقات الامور، انه اول بطريرك مسكوني يشارك في احتفال تنصيب بابا،البابا فرنسيس. كان ذلك في آذار 2013.

وبعد اشهر قليلة، كان الحدث في "كنيسة القيامة" في القدس الاحد 25 ايار 2014. فرنسيس وبرتلماوس وقفا جنبا الى جنب، في لقاء مسكوني استثنائي صدرت عنه "وثيقة" "بشرت" بـ"خطوة جديدة وضرورية في المسيرة صوب الوحدة... وهي الشركة في التنوع المشروع". وفي 29 تشرين الثاني 2014، زاره فرنسيس في مقر البطريركية في اسطنبول. وتشاركافي صلاة مسكونية، وتوقيع اعلان مشترك كاثوليكي-ارثوذكسي.

في حصيلة النصف قرن، 10 بيانات مشتركة: 1964، 1965، 1967، 1979، 1995، 2002، 2004، 2006، و2014(اثنان). والى الاخير، كانت اضافة لافتة، "اتفاق سري" يقضي بأن يلتقي الكاثوليك والارثوذكس في نيقية غرب تركيا سنة 2025، ليحتفلوا جميعا بذكرى اول مجمع مسكوني حقيقي انبثق منه اولاً قانون الايمان، بعد 17 قرنا على انعقاده"، على ما كشف برتلماوس.

"زمن الصداقة"
بين انطاكيا الارثوذكسية والفاتيكان، مُدَّت اليد ايضا. وكانت المحطة المفصلية في أيار 1983، مع لقاء البطريرك الراحل اغناطيوس الرابع (هزيم) البابا يوحنا بولس الثاني. انه البطريرك المشرقي الأول الذي يزور الفاتيكان منذ قطيعة1054.وكانايضا بين مستقبلي البابا في بيروت، لدى زيارته للبنان العام 1997... ومن ثم في سوريا، لدى استقباله له في الكاتدرائيّة المريميّة الارثوذكسية في 5 أيار 2001...

واستمرت اللقاءات مع الخلف ايضا، البطريرك يوحنا العاشر، الذي زار الفاتيكان في ايلول 2013، في لقاء وصف بانه "تاريخي"، "لضمّ صوت الكنيسة الأنطاكية إلى صوت الكرسي الرسولي في الدعوة إلى اعتماد الحوار وسيلة وحيدة لحل المشاكل التي تعترض بلدان المشرق"، كُتِب.

وقبله بخمسة اشهر فقط (10 ايار 2013)، كان "يوماً للمحبة الأخوية بين الكنيستين الكاثوليكية والقبطية"، في لقاء بينفرنسيس وبابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية تواضروس الثانيفي الفاتيكان، "تعزيزا لروابط الصداقة والأخوّة". وتزامن مع الذكرى الـ40 لتوقيع بيان مشترك بين البابا الراحل شنودة الثالث والبابا بولس السادسالعام 1973.

وفي مشهد حديث آخر، استقبل فرنسيس بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الأثيوبية ابونا ماتياس الأول في 29 شباط 2016. ودّ واضح بين الجانبين، بخلفية تقارب تطوّر خلال 23 عاما،وامل في ان "ينطلق من هذا اللقاء زمن جديد من الصداقة الأخوية بين الكنيستين".

وحيث وصلت اليه الامور، تتواصل الزيارات ولقاءات الحوار... مواقف ايجابية تعكس تقاربا، رغبة لدى البابا في"اننا لا نريد أن يواصل وِزر خطايا السالفة في تلطيخ علاقاتنا...انقسام المسيحيين فضيحة"، على قوله، واقرار من كيريل، آخر المنضمين الى المصالحات،بان "المسيحيين انفصلوا نتيجة آثامنا"، و"قد تكون معجزة إلهية إذا عشنا لنرى هذا اليوم (الذي نتوحد فيه)".

hala.homsi@annahar.com.lb









 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard