نورا شقيقة بورخيس المستترة

9 آذار 2016 | 20:48

المصدر: "النهار"

ليس العيش في فيء أحدهم خياراً بديهيا أو مريحاً، وكيف الحال حين يكون هذا الشخص هوية أدبيّة أكيدة استحالت، على مرّ التجربة والإصدارات، العنوان الأدبي العفوي الذي يتبادر الى الذهن حين يجري استدعاء الأرجنتين، والكاتب الذي شابه مواطنيه بالروح.
تشير جميع المعطيات إلى ان من المهمات شبه المستحيلة أن تكون أي امرأة شقيقة خورخي لويس بورخيس، وأن تغامر في المطالبة بالمساواة به، في الإعتراف والإنتشار والألق.
والحال أن مقالاً حديثاً نشر للتو في صحيفة "إيل باييس" الإسبانية يتمهّل عند نورا رسامة رافقت ريشتها بعض نصوص شقيقها خورخي لويس واتسم منجزها بالريادة، وحمّلها زواجها من غييرمو دي توري وهو أحد أبرز وجوه "جيل 27" الشعري، وزراً إضافيا، صعّب مهمة تقدّمها إلى الصفوف الأمامية.
ربما يشير منطق الأمور إلى أن إلتئام شهرتَي الزوج والشقيق أعاق مهمة البروز العلني، غير أن نورا لم تكن في الصميم، من هواة الأنوار المبهرة، والحال أن المقال يستعيد إقرارها مرّة بأنها غير راغبة فيها مفضّلة عليها المكوث الى جانب صديقاتها الفقيرات واحتساء الشاي والخبز مع الزبدة. كأن في ذلك التوصيف انغماس في حقيقة المجتمع واعتراف بشرعيّة الصداقة العادية وناس الأزقة الفرعيّة.
وإذا كان بورخيس تخيّل العالم في هيئة مكتبة فإن دي توري وإلى جانبه حفنة من الأسماء الأخرى طارد "القصيدة النقيّة" تلك التي تنبذ الأقصوصة وإنفلاش الأحساس والبُنية المنطقيّة أو القائمة. بحث دي توري عن الكلمة النادرة وعن الصورة المباغتة في حين عكست لوحات زوجته في ألوانها الهادئة، السكون وانطوت على شيء من التحليق.
بين الشقيق صاحب "الألف" وبين الزوج محفّز تيار الماورائية الأدبي، لا بدّ أن مساحة التفرّد ضاقت، إلى حدّ إشارة نورا إلى أنّ الرجلين قَرَآ ونيابة عنها، كل مؤلّفات العالم.
بيد أن في وسط كل هذا الصخب كان ثمة نقطة وصل بين عالمي الشقيقين، يبرهنها مرافقة رسومات نورا لمجموعة بورخيس الشعريّة "أدروغي" (1977)، بإسم المدينة الأرجنتينية حيث تقاسما في طفولتهما، مواسم صيف عدة. والحال أن المدينة باينة في قصائد عدة في رصيد الشاعر بورخيس حين يذكر ساحات المتاهة والطرق والذكريات الفردوسيّة في يفاعه.
في رأي "إيل باييس"، يتبدّى أن الإجحاف اللاحق بنورا في طور التبدّل رويداً، بعدما جرى تنظيم معارض لأعمالها في العام المنصرم في "إيس بالوارد" وهو متحف الفن الحديث والمعاصر في بالما دي مايوركا الإسبانية، ناهيك بـ "المتحف الوطني" في وارسو و"مركز بورخيس الثقافي" في بوينوس أيريس.
وفي الموازاة تتجه العلاقة الأخويّة الذي خيّم عليها الغموض، صوب الضوء. ها إنه يجري استرجاع مناخ ألعاب الطفولة وقول الكاتب بورخيس في هذا الشأن "كانت دوما القائدة وأنا البطيء والخجول والمطيع". والحال ان تلك العلاقة التكامليّة بين الرسامة بورخيس والكاتب بورخيس، شابها، على ما يتبدّى، شيء من التوتر في بعض المراحل وفق ما يشير الكاتب أدولفو بيوي كاساريس صديق بورخيس ورفيقه الأدبيّ.
في 2016 يصير بورخيس، شقيق نورا بعدما ظلّت لأعوام تذكر من بعده. كاتب تحسّر في شيخوخته على ما فاته في التواصل الأخوي قائلاً في بساطة معبّرة "يا ليتني كنتُ أكثر طيبة".
كانت نورا السيدة التي نصَحت الكاتب الذي اعتاد الفرار من المرايا، بعدم قول أي شيء لا يجلب السعادة إلى الآخرين.
وإذا كان بورخيس قارب الدنيا مساحة اخترعتها مجموعة من الملائكة العاجزة، فإن نورا رسمَت الملائكة لإيمانها بأنها ومن دون شكّ، من سكان هذه الأرض.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard