هل المرأة اللبنانية "درجة ثانية" أو مجرد "تابع" لفكر عصبي طائفي؟

8 آذار 2016 | 12:18

المصدر: "النهار"

يمرّ اليوم العالمي للمرأة في لبنان مرور الكرام وسط حراك مشلول للحركة النسائية التي تكتفي بإصدار بيانات أو عقد لقاءات للمطالبة بحصة للمرأة في الحكومة أو مجلس النواب أو المجالس البلدية وسواها. لم يسجل المجتمع النسائي في لبنان أي نقطة إيجابية في مسار #حقوق_المرأة في لبنان إلا من خلال الدور الريادي لجمعية "كفى" في إقرار قانون العنف الأسري، قانون يغير حياة عائلات عدة. تبقى اللبنانية المتزوجة من أجنبي محرومة من حقها في منح الجنسية اللبنانية لأولادها، وهذا قد يجعلها في رتبة مواطنة مصنفة درجة ثانية إذا ما قارناه بما ينعم به الرجال في بلدنا.

أنتجت الحرب اللبنانية طبقة سياسية تتمتع بنفوذ مالي كبير نتج منه هيمنة غير مسبوقة لها على عقول الناس وخياراتهم. تأثرت الحركة النسائية في لبنان بهذا الواقع،وانقسمت في داخلها إلى منتسبات للهيئات النسائية، التي أنشاتها الأحزاب التابعة لهذا الطبقة، والمنوطة بنشر فكر عصبي طائفي لا يمتّ لحقوق الإنسان وللمرأة بأي صلة.

سرّ النجاح

لن يكون اليوم وضع المرأة اللبنانية أفضل حال من أزمة النفايات المضرة في صحتنا أو من واقع الفراغ الرئاسي والركود الاقتصادي في بلدنا. لم يساهم تحول الحركات النسائية العربية، ومنها اللبنانية، إلى جمعيات غير حكومية في تفعيل قضايا المرأة في المنطقة. فقد شرحت هذه النظرية الدكتورة إصلاح جاد في ملف عن "تحول الحركات النسائية العربية إلى منظمات غير حكومية " المنشور في عدد 100 من مجلة "الرائدة" الصادرة عن معهد الدراسات النسائية في العالم العربي في الجامعة اللبنانية الأميركية (ص 47)، "ما يعنيه التحول إلى منظمات غير حكومية هو انتشار بنية مختلفة للنشاطالنسوي، بنية لمنظمات لا يتعدى اشتراك النساء فيها على المستوى المحلي". نستشرف من دراستها سر نجاح رائدات من العصر الذهبي للحركة النسائية في لبنان على غرار السيدات أنيسة روضة النجار، لور مغيزل، روز غريب، سلوى نصار ونجلاء صعب وسواهن". عرضت في العموم تحليلها لنجاح رائدات الحركة النسائية بأن "نجحت الكادرات في تنظيم الجماهير وتعبئتها، وسبب نجاحهن كان مهاراتهن في إنشاء العلاقات مع الشعب. نجحن في ذلك لأنه كانت لديهن قضية يدافعن عنها، رسالة يؤدينها، ولأنه كان لهن إيمان عميق بالحركات السياسية التي انتمين إليها".

برأيها، كان مهم أن يكون الكادر معروفاً وان يثق بهالناس وأن يسهل عليهم الاتصال به وان يهتم بشؤونهم، وأن يساعدهم عند الحاجة. تتطلب المهمة جهداً يومياً مضنياً يستغرق وقتاً طويلاً في التشبيك والتنظيم. كانت هذه الكادرات تعرف جمهورها شخصياً وكان الاتصال بها وجهاً لوجه".

انتقلت إلى المنظمات غير الحكومية التي "تعتمد بالدرجة الأولى على وسائل الاتصال كالإعلام وورش العمل والمؤتمرات وهي آليات معولمة أكثر منها محلية". ذكرت أن هذه "الوسائل ليست سيئة بحد ذاتها، ولكنها تستخدم خصوصاً "للدفاع عن" مجموعة "مستهدفة" أو تعليمها.هنا لا يكون الجمهور مجموعة اجتماعية طبيعية، بل بالأحرى يكون مجرداً، متلقياً أكثر منه متفاعلاً، و"الاستهداف محدود بحدود المشروع الزمني". اعتبرت أنه "مع المنظمات غير الحكومية تكون سياسة الاستهداف دائماً محدودة فينفذها محترفون توظفهم المنظمات للقيام بالوظيفة، وهذا يختلف عن "الرسالة "القائمة على إيمان الكادرات في المنظمات القاعدية وعملهن التطوعي".

الحركة التحررية

ارتكزت الدكتورة حنيفة الخطيب في كتابها " تاريخ تطور الحركة النسائية في لبنان وارتباطها بالعالم العربي (1800-1975) الصادر عن دار الحداثة على تعريف هذه الحركة وفقاً لقول السيدة أنيسة روضة النجار (ص 185) :" في لبنان نحو مئة وخمسين جمعية نسائية، يعود الفضل لها في صنع لبنان الإجتماعي ويرجح تاريخ تأسيس أحدها إلى عام 1857. لم تكن رائدات هذه النهضة النسائية، زعيمات إقطاعيات، أو فيلسوفات قديرات، بل يعود إلى روح حب الخير وإلى مظاهر الأمومة والأنوثة، وشعور عميق بمتوجبات الدين وتوافر الوقت، وقتل ساعات الفراع...". أما السيدة ابتهاج قدورة فتذكر في المصدر نفسه أنها "أسست أول جمعية نسائية إسلامية في لبنان عام 1914 والقضية الأساسية لهذه الجمعية كانت "إيقاظ المرأة وإيقاظ الوعي العام والرأي العام ، والعمل على نشر لواء العروبة في بلادنا". خلص الكتاب نفسه إلى اعتبار أن الحركة النسائية في لبنان قد ظهرت "في نهاية القرن الماضي، وبداية القرن الحالي في إنتاج المرأة الأدبي الصحافي ورافقه الإنتاج الأدبي النسائي".

مع رسل العلم، #فلسطين والعراق

عرضت الدكتورة نجلا عقراوي في الفصل الثالث من كتاب أصدره معهد الدراسات النسائية في العالم العربي في الجامعة اللبنانية الأميركية عن "سلوى نصار، كما عرفتها" (ص 49)، ذكرت فيه رحلتها إلى فلسطين والعراق وفيه أن سلوى "تركت لبنان في خريف عام 1935 والتحقت بعملها الجديد كمدرسة في كلية بيرزيتبفلسطين، وبقيت في وظيفتها ثلاث سنوات حتى أواخر عام 1938... وضعت سلوى نصب عينيها السفر إلى أميركا للالتحاق بإحدى جامعاتها الكبرى. كان لا بد من توفير بعض المال قبل تنفيذ الخطة. فالراتب في بيرزيت لا يتجاوز الأربعة عشر ديناراً في الشهر، وهو وإن كان أعلى بكثير مما تحصل عليه مدرسة من صنف سلوى في لبنان، فإنه أقل مما كان في العراق في ذلك الحين حيث راتب الأستاذ بدرجة بكالوريوس علوم كان يبلغ واحداًوعشرين ديناراً في الشهر، ولذا فقد اتجهت بأفكارها نحو العراق والحصول على وظيفة في إحدى مدارسه الثانوية التابعة للمعارف...".

توقفت عقراوي "عند تواصلها بالصديقتين أنيسة روضة وروز غريب وكلتاهما في الموصل شمالي العراق، حيث كانت أنيسة تشغل وظيفة مديرة الثانوية المركزية للبنات، وروز أستاذة اللغة العربية وآدابها". في خريف 1938، التحقت سلوى بمركز عملها في ثانوية الموصل العراقية الرسمية للبنان حيث كانت " قد سبقتها كل من الصديقتين أنيسة روضة وروز غريب...". تقول روز على تلك المرحلة من حياتها و حياة سلوى (ص 56) "العمل متعب، الصفوف ضخمة، الشوارع موحلة، لكن البناية التي أقمنا فيها كانت مريحة، الأكل نظيف، المناخ بارد منشط، ومعلمات المدرسة أكثرهن لبنانيات...".

الاعتراف بالحقوق

أغفل كتاب التاريخ المدرسي دور الحركة النسائية في المطالبة بالاستقلال ومواجهة الانتداب الفرنسي في مظاهرات صاخبة وحراكها ضد احتلال فلسطين وإبدائها الرأي في القضايا المصيرية في حينها. وصفت الخطيب في كتابها المشار إليها آنفاً (ص 159) " ماعمدت إليه الهيئات النسائية في لبنان إلى توحيد جهودها فعقدت في 27 نيسان 1957 اجتماعاً انبثقت منه لجنة خاصة دعيت "اللجنة التنفيذية للهيئات النسائية في لبنان" قوامها السيدات ابتهاج قدورة ، لور تابت، ألين ريحان، نجلاء صعب ، لور مغيزل، إميلي فارس إبرهيم، نجلاء كفوري، أنيسة نجار، حنينة طرشا، الدكتورة جمال كرم حرفوش وسلوى نصار. واشترك مع هؤلاء عدد كبير من الشخصيات النسائية في لبنان في المطالبة في حق "المرأة في الاشتراك في الحياة النيابية والمجالس البلدية كناخبة ومنتخبة وحقها بالاشتراك في جميع وظائف الدولة". بعد ضغوط عدة، وافق المجلس الوزاري في شباط 1953 على إعطاء المرأة المتعلمة وغير المتعلمة الحق بالانتخاب، شرط ان يبادر إلى تسجيل اسمها ضمن مدة محدودة، ليصير تسجيلها في لوائح الشطب، على أن يكون الاقتراع إجبارياً للنساء كما هوللرجال...".

يذكر أخيراً أن وثيقة الطائف وفقاً لما ذكرته الأستاذة الجامعية الدكتورة عزة شرارة في محاضرة ألقتها في مؤتمر بعنوان "مؤتمر اتفاق الطائف بعد ربع قرن على إعلانه" الذي نظمه المركز المدني للمبادرة الوطنية في العام 2014 أننا "لا نجد، على وجه التحديد، "تمييزاً" بين النساء والرجال؛ الأمر الذي يفترض بأن الفئتَين، وفق الوثيقة والدستور، لا تتميز الواحدة منهما بخصوصيات تستدعي إبرازها على منوال إبراز أهل الديانتين الكبريين، مثلاً". لكنها لفتت إلى أن "المنظمات النسوية تطالب بتعديل الدستور الذي عدّل استناداً إلى "اتفاق الطائف" من أجل تحديد "المساواة الجندرية" من بين أنماط المساواة بين المواطنين التي ينبغي إحقاقها- وفق ما جاء في ذلك "الاتفاق". ذكرت أن "الجمعيات تعمل، في الوقت نفسه، على إسباغ معانٍ وتضمينات على مواد في الوثيقة والدستور يمكن الإحالة عليها من أجل حفظ مصالح النساء منها، طلب إحقاق المساواة الجندرية منها قانون الجنسية، والمواد القانونية ذات الصلة بالضمانات الاجتماعية، وإبرام العقود التجارية، العدالة الجندرية في المجال الأسري؛ وفي الأحوال الشخصية إضافة إلى الكوتا النسائية وهي من التدابير الموقتة المطلوبة من الدولة توفيرها وفق ما جاء في اتفاقية سيداو".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard