عودة إلى المنزل

24 شباط 2016 | 23:08

المصدر: النهار

إنها أيام حِداد، أيام سود، أو ربما تكون رماديّة. لا أهمية للون وإنما إلى ما يرمز إليه، أي الرحيل الذي يتولّى إطلاق سرد الإيرلندي كولوم تويبين، في مناخ من الذهول العاطفي.

في روايته الأحدث "نورا ويبستر" الصادرة بالإنكليزية لدى "سكرايبنر" والمنقولة إلى القشتالية أخيرا، غاب الزوج للتو، لكن الحزن الذي سيلي لا يتبدّى صنو الأحزان الأخرى، بل ويعجز عن التطوّر في المنطق التقليدي كذلك. حين يتقرّب منه كاتب من قماشة تويبين الذي قلما يخطأ في تحديد نقاط الوجع، يكون الحزن دفيناً وظاهراً على السواء.
التجربة المكتوبة حكاية وجع يخصّ سيدة تتقدّم بين حدّين، الأول عند رحيل شريك الأيام المنصرفة واندفاع المعزّين إلى منزلها مواساةً، والثاني بعد ثلاثة أعوام حين يدفع بها وعي ما إلى افراغ الخزائن من فساتينها وذكرياتها الشخصية وإلى إنزال عقوبة الحرق برسائل تلقّتها.
ينصرف الإيرلندي في صفحات مجلة "بابيليا" الأدبيّة الإسبانية أخيرا إلى التحدّث عن آخر نوافذه التأليفية، فيعرّف عنها كرواية تشبه قصيدة الصمت والأسى. وهذا ليس تحديدا مستعجلاً، ذلك أن امتهان الشعر طالما كان شغف الطفل تويبين، أما الأسى فأمر سعى، ومنذ سنوات اليفاع الأولى، إلى فهم معناه الفعلي. والحال ان لا مفرّ من رسم خط موازاة بين حكاية نورا ويبستر التي ترمّلت للتو وبين حكاية والدة تويبين، بريد، التي خسرت زوجها مايكل في صيف 1967 وأوكلت مباغتة ووحدها، بالإعتناء بولدَيها.

واكبت مقابلة "بابيليا" نقل رواية تويبين الى القشتالية واستنطقته في شأن التجربة التي دفعت به إلى مغادرة الغبطة ودخول حقبة الأحزان. وفي حين لا يبرّر الكاتب خياره مباشرة، يصرّ على وصفه، فيلفت إلى أن لا مكان ها هنا للكلام عن الحزن في حين انه موجود، ولا مكان للكلام عن الوجع في حين انه موجود أيضا "في الأفعال والحركات ونبرة الصوت وفي المشاعر والأفكار".
يذكُر تويبين أن كتابة نصه تطلّبت أربعة عشر عاما، وهي المدّة عينها تقريباً التي عاشها الفتى قبل أن يصاب بفقد والده، وهذه من المفارقات الموضوعيّة بلا شك.
حين يتمهّل تويبين عند نورا نستشف إصغاء لافتا لما تختبره، فنقرأ "في أحد أيام السبت من شهر تشرين الأول، تتوجه نحو كاش على متن سيارتها من طراز "أي 40" القديمة تاركة الفتيان يلعبون مع أصدقائهم ومن دون أن تُطلع أحدا على وجهتها. كان هدفها في تلك الشهور، خلال الخريف الذي يقود إلى الشتاء، أن تتدبّر أمرها لمصلحة الفتيان وربما لمصلحتها أيضا وأن تحبس دموعها. وكأن الدموع أخافت الفتيان وأقلقتهم لسبب تجهله، في حين كانت بدأت تعتاد تدريجا على فكرة عدم وجود والدهم. تنبّهت الآن إلى أنهم بدأوا يتصرفون كما لو أن كل شيء عاديّ، كما لو أن لا شيء كان مفقودا".
يرصد النص خوابىء النفوس المصابة بموت غير متوقّع، وكيف يجري تزيين المشاعر عند البعض أو ضبطها عند البعض الآخر، وكيف يجري صقل القدرة على التعرّف إلى علامات الخطر على مستوى الأفكار.
تتظهّر الرواية على نحو ما، كشريحة من حياة نابضة، وربما تصلح أن تشبّه باللوحة غير المنجزة التي تقول الكثير، بينما تستر ما هو أكثر. ها نحن نقرأ "نمُرّ في وسطهم أحيانا، أولئك الذين غادرونا. يمتلئون من شيء لا يعرفه أي منّا بعد. إنه سرّ".
"نورا ويبستر" محاولة لإعادة ابتكار الحياة السابقة، والحال انها تسمح لسرد كولوم تويبين بأن يسلك طريقا تفاداه في الماضي. تسمح له بالعودة إلى المنزل.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

علاء أبو فخر: الحكاية الجارحة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard