توصيات جريئة عن التسامح الديني

23 شباط 2016 | 21:58

المصدر: "النهار"

عُقد في مدينة مراكش المغربية مؤتمر عن الاقليات في الوطن العربي والعالم الاسلامي، بدعوة من منتدى تعزيز السلم وبإستضافة وزارة الاوقاف المغربية، بين 25 و 27 كانون الثاني 2016. حضره اكثر من 300 شخصية دينية اسلامية، من وزراء ومفتين وعلماء، ومجموعة من الشخصيات الذين يمثلون طوائف دينية أُخرى، ولدياناتهم اتباع في الدول العربية والاسلامية.

وأهمية المؤتمر؛ انه إنعقد لمناسبة مرور 1400 عام على صدور صحيفة المدينة التي باركها الرسول الكريم محمد بن عبد الله(ص). والصحيفة كانت بمثابة الدستور لمجتمع مُتعدِّد الاعراق والقوميات والمُعتقدات، ارتكزت عناوينها على التسامح والاخوة الانسانية، وعلى كون الاسلام دين السلم والمساواة ( يا ايها المؤمنون أدخلوا في السلم كافة. سورة البقرة 208) ومبادىء الصحيفة تنسجم مع الركائز التي إنطلقت منها مباديء الامم المُتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان، وفقاً لما جاء في البيان الختامي لمؤتمر مراكش.
عناوين البيان الختامي للمؤتمر-التي جاءت من وحي مُداخلات العلماء المُشاركين- كانت موضوعية في تناول تداعيات الاحداث التي تحصل في اكثر من دولة، خصوصاً الاعمال الاجرامية والتكفيرية والاستعلائية التي ترتكب بإسم الدين، والدين منها براء. واشار البيان الختامي للمؤتمر بوضوح الى "عدم جواز توظيف الدين لتغطية اعمال اجرامية، او لتبرير اي نيل من #حقوق_الاقليات في البلدان الاسلامية" وفقاً لما جاء حرفياً في الفقرة الختامية من البيان.


والقراءة الموضوعية لسطور البيان الختامي او" اعلان مراكش " كما أُطلِق عليه؛ يُسلِّط الاضواء على مجموعة من المقاربات الراقية التي يتمتع بها التاريخ العربي والاسلامي، وعلى صفحات بيضاء من الاسلام الحنيف، والذي هو دين التسامح والمساواة والاخوة الانسانية المُطلقة. وجاء في الفقرة ( 1) من البيان: ان البشر جميعاً على اختلاف اجناسهم والوانهم ومعتقداتهم ولغاتهم، كرمهم الله عز وجلّ بنفحة من روح ابيهم آدم عليه السلام ( ولقد كرمنا بني آدم – الاسراء: 70). والعدل والانصاف؛ هي قيمٌ اسلامية عُليا، لايجوز التفريط بها، او غفلانها، ولا امر ولا نهي في الشريعة إلا بقصد جلب مصلحة او درء مفسدة ( وفقاً لما جاء في الفقرة (د) من البند رقم 17 من الاعلان المذكور آنفاً.


وتبقى العلامة الفارقة التي اضاءت على عتمة الانضواء والانغلاق عند البعض، دعوة المؤتمرين الى عدم نسيان او تجاهل قرون من العيش المُشترك التي عاشت فيها المكونات الاجتماعية في البلدان العربية والاسلامية بتآخٍ وسلام، وفرضية التلاقي بين هذه المكونات – بما فيها الشرائح الاسلامية المتنوعة– ثابتةٌ دامغة، لا يجوز التفريط بها، او نقضها على خلفيات فئوية، او مصلحية لأفراد، او لجماعات لها مآربها الخاصة. وبهذا التوضيح يقع رد المؤتمرين المباشر على جُنوح بعض رجال الدين، ومنهم الشيخ يوسف القرضاوي الذي قال: "انه لا امكانية للتلاقي بين السنة والشيعة". وهذه الرؤيا خاطئة بطبيعة الحال، وهي نقيض للدعوة الى الاعتصام بحبل الله الجامع. ورؤية قرضاوي الاخيرة تُلاقي بمقاصدها، وعن غير قصد، الرؤية المُختلف عليها من الشيعة انفسهم – و يُطلق عليها ولاية الفقيه– والتي ادت الى زيادة التباعُد بين المُسلمين، ومعظم دوافعها تطلعات امبراطورية اكثر مما هي دينية.


لعلَّ ابرز ما تناوله المؤتمر؛ هو موضوع المواطنة التعاضدية، ذلك ان مُقدِمة اعلان مراكش، اشارت الى ان ضعف السلطات المركزية في بعض المناطق، شكّل فرصة سانحة لإستقواء بعض المجموعات الاجرامية، والتي ليس لها اي شرعية علمية او سياسية. وهذه المجموعات اعطت لنفسها حق اصدار احكام تنسبها للإسلام، والاسلام منها براء، وقامت بإعمال وممارسات اكتوت بنارها مختلف شرائح المجتمع.


المواطنة التعاضدية هي الوسيلة الانجع لاستيعاب مختلف الاقليات في جميع الدول العربية والاسلامية، وهذه المواطنة تكفل التزام المجموعات على اختلافها بواجب الانصياع الى الانتظام العام. وصناعة الانتظام العام لا يجوز ان تحصل إلا وفقاً لمعايير قانونية، تنظر الى المواطنين نظرة واحدة، من دون تفرقة او تمييز، بصرف النظر عن إنتماء هؤلاء المواطنين؛ الديني او العرقي، وهذا الامر لا يحصل بطبيعة الحال إلا من خلال إرساء مفهوم الدولة القادرة والقوية والمحايدة ( اي انها تنظر بعين واحدة لكل المواطنيين).


والمواطنة التعاضدية في الفهم الاسلامي الراقي تحفظ للدين كيانيته السامية، وتبقي الانسان في مكانته الآدمية المُتحضِّرة، مُحصناً في مواجهة التكفيرأو التوحش، البعيدين كل البُعد عن الاسلام . وقد جاء في البند 13 من اعلان مراكش "ان السياق الحضاري المعاصر، يُرشِح وثيقة المدينة ( اي صحيفة المدينة ) لتُقدِمَ للمسلمين الاساس المرجعي للمواطنة؛ انها صيغة مواطنة تعاقدية، ودستور عادل لمجتمع تعددي ينتمي الى أمةٍ واحدة".
لا تتناقض توصيات مؤتمر مراكش مع العصرنة، وقاعدتها العلمانية، التي هي التزامٌ بموجبات القوانين الوضعية ولا تتناقض مع الاسلام، بل تكملُ رسالته في التطلُّع نحوَ العدالة والمساواة. والدولة المدنية لاتتنكَّر للإلتزام الديني – خصوصاً الاسلامي– بل تحفظ الكرامة الانسانية والمساواة بالمواطنة اللتين ينشدهما الاسلام. ومثلُ هذه الدولة هي التي ترعى قواعد التنوع، وتحمي اجراءات التعبُّد الديني، وتحفظ هيبة وكرامة كُل المُقدسات.

نقطة ضو تصنعها إليسا مع "النهار" ومعكم

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard